< يقال إن التاريخ لا يعيد نفسه، عن نفسي لست متأكداً، فالمسألة لم أحسمها بعد، لأجل ذلك ولمعرفة مصير استفتاء كردستان استحضرت حدثاً من الماضي، لعل في قصص من التاريخ نجد جواباً.
في 1919 وصل الشريف فيصل بن الحسين بيروت قادماً من مؤتمر الصلح (مؤتمر فرساي) في فرنسا، وقد استقبل بحفاوة لبنانية كبيرة شارك فيها وفود من مختلف مناطق سورية العثمانية (لبنان وفلسطين وسورية والأردن)، وغادرها مع تلك الوفود إلى دمشق، إذ استقبلته أقواس النصر وعربة تجرها ثمانية جياد على طريقة ملوك بريطانيا، وبعد يومين استدعى فيصل الوفود إلى اجتماع سمي بـ«المؤتمر السوري العام».
عقد المؤتمر في النادي العربي في دمشق في شارع بورسعيد قرب سينما الأهرام، وألقى فيصل خطاباً استعرض فيه مساعيه في أوروبا، شارحاً كيف أن العلاقات بين الدول الخارجية مضطربة، وأن لا قرار عند الدول، لأن أصحابه مرهقين من الحرب الكونية الأولى وتداعياتها، قرارهم مشلول ومريض، وكيف أن الظروف الدولية والإقليمية مؤاتية للاستفتاء على الاستقلال، بعدها سأل الحضور إن كانوا يوافقونه الرأي في الاستقلال تحت المملكة العربية السورية.
آخذت الوفود المجتمعة الكلام.
سعد الدين الخليل المقداد من زعماء حوران، وممثلاً عنها في «مجلس المتصرفية» أبدى موافقته.
نوري باشا الشعلان شيخ الرولة القبيلة العربية النزارية العدنانية يقول: «حنا كل عرب الرولة أطوع لك من يمينك ومن لا يكون مثلنا ليس من دين الإسلام»، ثم لحقه نسيب باشا الأطرش من جبل العرب ومن أمراء الدروز قائلاً: «نحن جميع عشائر سورية العربان والدروز نضحي حياتنا تجاه خدمتك وخدمة الأمة العربية، والحائد عن ذلك يكون خائن الناموس والشرف والعرب».
«نحن رهينو أمرك نفديك ونعتمدك»، يصيح كل من محمد فوزي العظم ومحمد عابدين وأسعد الصاحب من دمشق، وعمر الأتاسي قادماً من حمص وممثلاً لأهلها يعلن دعمه وموافقته، ليكمل بعدها الشيخ عبدالحسين صادق اللبناني العاملي المخزومي والمنتدب من أعيان جبل عامل: «إنني باسم جبل عامل أبايعك على الموت».
واستمرت خطابات التأييد.
بطريرك الروم الكاثوليك: «كما تأمرون سموكم فأمروا بما تشاءون»، ثم بطريرك الروم الأرثوذكس: «بيننا وبين سموكم اتفاق في هذه القاعة على شرائط معدودة لا تبرح من ذاكرتكم الشفافة فنحن عليه راسخون»، ومطران السريان الكاثوليك: «إني أعتمد نفس الاعتماد الذي اعتمده بطريرك الروم الأرثوذكس»، ومطران السريان القديم: «أقول بلسان أمة السريان في سورية إنهم طوع أمرك».
رئيس حاخامي اليهود قدم أكثر من موافقته قائلاً: «إن أموالنا ونفوسنا بين يديك يا سمو الأمير».
ومطران الأرمن باللغة التركية يقول: «أشكر ما لقيه مهاجرو الأرمن من عطف العرب وإنسانيتهم خلال سني الحرب الأربع، إن تاريخنا سيكتب اسم العرب بمداد من ذهب، فأنا أبارك لكم وأشكركم».
وغيرهم من مناطق أخرى كممثلي حلب ويافا ونابلس واللاذقية وجبل لبنان وأنطاكيا وطرابلس الغرب وأعزاز وإدلب وجميع مناطق الشرق الأدنى.
استأنف فيصل الكلام ولورنس (الضابط الإنكليزي المكلف بشؤون المنطقة) يجلس بجانبه، فأقسم بشرف آبائه وأجداده أن تكون المساواة والعدل مذهبه في الحكم، وألا يفرق بين الناس بحسب أديانهم أو مذاهبهم أو انتسابهم القبلي والعائلي، بعدها بارك الجميع بعضهم البعض.
تمخض عن الاجتماع إجراء انتخابات لمجلس نيابي يمثل شعب سورية الكبرى، وتلا محمد عزت دروزة ممثل نابلس القرار على الجماهير المحتشدة في ساحة المرجة أمام بلدية دمشق مطلاً من الشرفة، وقد انتخب هاشم الأتاسي رئيساً بعد وفاة محمد فوزي باشا العظم، ليتم بعدها تأسيس المؤتمر السوري، البرلمان، وبعضوية 120 نائباً، حضر 104 وتغيب 16 عضواً، وهم نواب لبنان الذين منعتهم السلطة الفرنسية من الحضور (ليقل لي أحد إن التاريخ لا يعيد نفسه!).
يومها تمثلت الإرادة السورية بكل أطيافها، وقد حصل فيصل، ابن شريف مكة المكرمة وقائد الثورة العربية الكبرى، على كل الأصوات وبالإجماع، غير أن ذلك لم يكن كافياً، غفل فيصل عن أهم صوت في الاستفتاء، صوت الاتفاق بين فرنسا وبريطانيا (سايكس بيكو). الاتفاق الذي قسم منطقة العراق والشام إلى مناطق نفوذ، العراق والأردن لبريطانيا وسورية ولبنان لفرنسا، فالناخب الأول أو الصوت التفضيلي كان لـ«مستر سايكس» و«مسيو بيكو».
أجبر فيصل إلى ترك دمشق، فاتفاق سايكس بيكو الشهير كان تعبيراً عن قرار دولي أقوى من الإجماع الذي حصده، وفي تعبير صارخ لرفض إرادة الشعب أو حق تقرير المصير سقطت المملكة العربية السورية في المهد، سقطت دمشق على يد الجنرال الفرنسي غورو الذي أعلن بجيشه حقبة الاستعمار، غورو الذي قال: «ها قد عدنا يا صلاح الدين». قالها واقفاً على قبره، بعدها رحلت الوفود تبحث عن مكان لها في المستقبل، وفشل الاستفتاء، ومعه الاستقلال، لا العدد نفع ولا الميثاقية أفادت، القرار الدولي أولاً.
وبعدين..
لو أراد أحد مناقشة الاستفتاء من زاوية القومية الكردية أفهم، وسأفهم أيضاً لو رأى البعض على أنها تمزيق لبلد عربي، وإذا قامت حكومة بغداد بإقفال مراكز الاستفتاء بالقوة لما استغربت، حتى إذا أرسلت حكومة العبادي حشدها الشعبي لتحرير أربيل لما تفاجأت، أصلاً رد الفعل الإقليمي كان الرفض، والدولي في أغلبه صامت (اتفاق سايكس بيكو ظل سرياً إلى أن فضحته الثورة البلشفية).
في المقابل أستطيع تفهم المظلومية الكردية، خصوصاً العراقية منها، سنين من القمع والموت، رئيس بلدهم يستخدم الكيماوي الأميركي الصنع ضدهم، وكيف لنا أن ننسى صور وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد مصافحاً الرئيس صدام حسين، وكرد العراق نجحوا في بناء كيان مستقر وحكم ذاتي مستمر، أشبه بجزيرة في قلب محيط من الفوضى والإرهاب والطائفية (الفرق بينهم والإسرائيليين أنهم ليسوا محتلين)!
ما يعنينا هي نتيجة استفتاء كردستان العراق، أغلب المتابعين ناقشوا نسبة المؤيدين للاستقلال، وكيف أنهم حصدوا الإجماع، هم ناقشوا العدد، وأن زعيم أربيل مسعود بارازاني على معرفة بعواصم القرار، ويعرف أن العلاقات بين الدول الإقليمية تحديداً مريضة، وأن الفرصة متاحة، هم ناقشوا شلل ومرض القرار.
كل ذلك استوعبه إلا أنه لا يكفي.
لا يكفي استفتاء، سواء نجح أم فشل، لحصول الاستقلال، الموضوع أكبر من مسألة قومية أو مظلومية، وبالتأكيد أكبر من عدد وميثاقيه، وإلا لكانت دولة فلسطين مستقلة منذ زمن، بمعنى آخر، صحيح لا يوجد فيصل بن الحسين اليوم، وصحيح أن حدود سايكس بيكو مختلة، وصحيح أن العواصم المعنية مشغولة، لكن القرار الدولي يمرض ولا يموت. هنا نقول فتش عن القرار الدولي.
??* رجل أعمال.
![]()
