لو قلت إنني سأصف بلداً وعليكم أن تحزروا ما هو، أمستعدون؟
حسناً..
نحن أمام بلد يمرُّ بأزمات تكوينية على جميع الصعد؛ الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وحتى من الناحية المؤسساتية. في هذا البلد مجلس نيابي يُنتخب أعضاؤه بقانون انتخابي مطاط، يقسم الدوائر الانتخابية على قياس القوى السياسية وبطريقة تفرز الصقور من كل فريق، ويستمد العضو المنتخب شرعيته من الدستور، لكنه يمارس مهماته الدستورية بالتراضي، وفي دستوره بند يحفظ حق الفرد بالمقاومة، والحق في اقتناء السلاح ومختلف عليه، أي السلاح ودوره ومعه تعريف العدو ومفهوم الخصم.
نحن أمام بلد حارب الاحتلال حتى الاستقلال، ومازال يحارب الإرهاب، ولديه مواطنون إرهابيون، وجيشه يقاتل على جبهات عدة ولأكثر من 10 سنوات، وحدوده مفتوحة من دون سيطرة عليها، خاض هذا البلد حروباً أهلية، ومجتمعه مازال يعيش على خطوط التماس من طبقية وعنصرية ودينية، حتى إزالة تماثيل لشخصيات تاريخية من قرية أيقظ الكره الداعشي المكنون في داخله، أصلاً مازال الدين يطغى في الخطابات السياسية. ولذلك نشأة تستمد من التربية التبشيرية، أو تصدير آيديولوجيا الثورة، ثورة الآباء المؤسسين.
كما لهذا البلد تاريخ باذخ في التدخل بشؤون الدول الأخرى، من محاولات اغتيال وتفجير، ومروراً بالتلاعب بنتائج انتخابات الدول، ووصولاً لاستخدام أمواله والراغبين من شبابه في القتال، هو هذا البلد لا يعير اهتماماً للقرارات الدولية أو الإجماع الدولي، يكفي مراجعة سيرته في منظمة الأمم المتحدة.
في تاريخه الجمعي اغتيال أكثر من رئيس جمهورية ورئيس حزب وزعماء محليين واختفاء قادة، وهناك رأي عام أقرب إلى ثقافة عامة بين سكانه، هو – أي الرأي العام – قليل الثقة بالدولة وأجهزتها، الشرطة والقضاء. وكثير الإيمان بنظرية المؤامرة، يمدح الأنانية ويحلم بالحب، يحترم القوي ولا يأبه بمصير الضعيف، والمحرومون لا حركة ولا زعيم يرعاهم، فقط الشارع يؤويهم.
أما الفساد فهو مستشرٍ في عروق هذه الدولة، لا يمر عهد إلا وبعض رموزه يتعرضون للتحقيق، هذا إن لم يتعرضوا له وهم في مناصبهم، وأن النساء في هذا البلد، بحسب وصفهم، لا زلن يعانين من التحرش الجنسي واللامساواة بينهن والذكور في الفرص والعمل، وفي كل عهد نيابي يستقيل على الأقل ممثل عن الشعب بثبوت تهمة التحرش الجنسي.
ولكن الناس تحب هذا البلد.
سياسياً، يحكمه فريقان أشبه بمحورين ومنذ التأسيس تقريباً، يمين ويسار، لم يتفقا على رؤية واحدة، إلا في معارضة إرادة المجتمع الدولي وتمويل الخلايا النائمة على حد اعترافهم، طبقة سياسية حاكمة اتهمت بالكذب مراراً، وتتهم في كل عهد بالتزوير.
الفريقان نفسهما يرفضان التعددية.. يرفضان كل منافسة محلية من المستقلين، وإن اجتمعا فهو للمحافظة على مكتسباتهما، طبعاً بعد تفاوض أليم، حتى موازنة عامة للدولة وجب التفاوض عليها بينهما إلى اليوم، ويتبعون قاعدة محاسبية اسمها الاثني عشرية.
لكل فريق سياسي فضاؤه الإعلامي، وجيش من الإعلاميين والصحافيين. يطلون من على شاشات التلفاز ويبثون أخبارهم وتعليقاتهم ضد بعض وكأن هذا البلد على شفير حرب أهلية، كل ذلك تحت مبدأ الرأي والرأي الآخر، غير أن الحقيقة هي أن ست شركات فقط تستحوذ على نسبة 90 في المئة من الفضاء الإعلامي لهذا البلد.
اقتصادياً، قطاعه المالي مفلس، ويزداد إفلاساً بإدمان قطاعه المصرفي عمليات الإنقاذ، الإدمان الذي فاقم من نسب البطالة، على رغم عمليات التأميم، ومديرو المصارف يعيشون حياة الترف تحت شعار: «شكراً للبنك المركزي». أما صناعاته فتشكو من عمالها، والعمال ونقاباتهم متذمرون بسبب غياب الشفافية وتدني الأجور، وأهل الصناعة ينقلون معاملهم إلى خارج البلد هروباً من البيئة المنفرة للاستثمار. هذا، وكلفة التأمين الطبي في ازدياد، نظامه الطبي مهترئ، وبرنامج الصحة العامة مختلف عليه، ناهيك عن النظام التعليمي، إذ إن مخرجاته مجرمون وقتلة على حد وصفهم.
يعيش هذا البلد أزمة مؤسساتية، أزمة في مؤسسة الزواج والديموقراطية، نسبة التفكك الأسري في ارتفاع من جيل إلى آخر، ومبدأ الشراكة والتكامل والتفاضل العائلي يكاد ينعدم إلا فيما ندر، وأما الديموقراطية فحدِّث ولا حرج، هناك غياب فاقع للزعامات. والجهاز الحكومي يعاني من الانتفاخ مع شغور في وظائف السلطة المفصلية، وأن من نتائج الأزمة في المؤسسة الديموقراطية انتخاب رئيس منظومة الأخلاق عنده مسألة نسبية.
إنه البلد الوحيد الذي استخدم القنبلة الذرية في حرب، وأنه مَنْ بصمة إصبعه على زر الحقيبة النووية المتحكمة بأكبر ترسانة نووية في العالم يتعرض للتحقيق بتهم الخيانة والتخابر مع الخارج. بقي التذكير بأنه حتى اللحظة هي الدولة الوحيدة التي اعترفت بمدينة القدس عاصمة لدولة الاحتلال (إسرائيل).
ولكن الناس تحب هذا البلد.
إذا كنت تعتقد أن هذا البلد ينتمي إلى العالم الثالث فأنت مخطئ، وأنه يقع في قارة آسيا أو أفريقيا فأنت كذلك مخطئ، هذا البلد من دول الشمال الأرضي، يعني يوم استبدل البعض الوصف من عالم ثالث وأول بإطار شمال وجنوب الأرض. هو ينتمي إلى الحضارة الغربية، وممكن وصفه برأس الحربة في هذه الحضارة، روما العصر، هو أول من وصل إلى القمر، وهو أقوى بلد في كوكب الأرض وعلى جميع الصعد.
نعم، هذا البلد هو الولايات المتحدة، وإذا تابعت شاشات وصحافة العالم الغربي (باستثناء محطة فوكس الأميركية) لن تسمع أو تقرأ إلا أخباراً سلبية عنه، ولكن الناس يحبون أميركا.
لماذا؟ لأن الناس تحب القوي.
![]()
