حين تنتقم الجغرافيا.. حذارِ من الدول الصغيرة

< كتابان «زبدتهما» عنوان المقالة، الأول للباحث الأميركي روبرت كابلان والثاني للصحافي البريطاني ديفد هيرست. قرأت كلاً منهما على انفراد، ومنذ فترة (صدر الأول عام 2012 والثاني عام 2010)، ولكن خطرت لي فكرة مقاربة الكتابين عندما وجدتهما متجاورين على رفوف المكتبة، وكأن بينهما «صلة رحم». الكتاب الأول The Revenge Of Geography (حين تنتقم الجغرافيا)، فيه يأخذك المؤلف في رحلة جغرافية حول العالم، مسافراً من موقع إلى موقع، ومن قارة إلى أخرى، قافزاً من فوق الحدود بين الدول، فالعالم بحسب الكاتب مقسوم بـ«الطبوغرافيا» وليس الحدود الدولية، شارحاً كيف أن التضاريس تفسر علاقة الجغرافيا بالسياسة والدين مع الثقافة، مدعياً أنه لفهم الصراعات الدينية والحروب السياسية كل ما تحتاج إليه هو النظر إلى الخريطة.

يستند كابلان في قراءة خريطة العالم سياسياً واجتماعياً على نظريات القرن الـ19، مستعيداً بذلك النقاش الأكاديمي لعلوم التاريخ السياسي حول ثنائية القوة البحرية والقوة البرية، أو أسبرطة ضد أثينا بحسب الأساطير اليونانية (أسبرطة مدينة يونانية قبل الميلاد عرفت بمجتمعها العسكري وأثينا عاصمة اليونان مهد الحضارة الغربية)، ولكن التميز في الكتاب يكمن في كيفية فك «شيفرة» الصراعات بلغة الجغرافيا، فالخريطة هي خريطة تضاريس وليست خريطة بشر فقط، مثلاً يدّعي أن الجبال والصحاري قوة محافظة، وبالتالي كل ما ينتجه مجتمع يعيش فيها يكون محافظاً، كل شي، سواء أكان سياسة أم اقتصاداً أم أدباً أم فناً أم حتى تفسيراً للدين، بعكس من يسكن أرض المياه، فالأنهار والبحار قوى ليبرالية، وبالتالي كل ما تنتجه منفتح وسيّال كالماء.

متكئاً على القراءة السياسية التقليدية للخرائط وبعيداً عن الأساطير يستطرد الكاتب بعدة استنتاجات، منها أن صناع القرار في واشنطن وتحديداً بعد انتهاء الحرب الباردة فقدوا الاهتمام بالجغرافيا، مركزين طاقة الإمبراطورية الأميركية على العالمية، في حين أن حاكم موسكو اليوم الرئيس بوتين لم يقدم أي آيديولوجية بديلة للشيوعية والاشتراكية المنقرضتين (ما عدا في كوريا الشمالية وأذهان بقايا اليسار العالمي)، بل العكس تبنى نظريات الرأسمالية في أقصى ممارساتها، معزياً بذلك سبب صعود روسيا نحو العالمية هو الموقع الجغرافي.

تستمر الرحلة مع كابلان ولكن مستدركاً في ما يخص الأفضلية الجغرافية، وكيف أنها وحدها ليست ضامنة للاستمرار في العالمية، مذكراً أن هناك حال توتر كامنة وعلى مر التاريخ بين روسيا والصين مثلاً، وبقدر ما هي – أي الجغرافيا – رافعة تكون عنيفة في انتقامها، وأن عوامل كالموارد (الغاز والنفط) والذاكرة الجماعية (صراعات طائفية أو قبلية) قد تتحول عندها إلى أسلحة دمار شامل، ساحباً هذا التحذير على جميع المواقع، ومن ضمنها منطقة الشرق الأوسط.

الكتاب الثانيBeware Of Small States: Lebanon Battle Ground of Middle East (حذار من الدول الصغيرة: لبنان ساحة معركة للشرق الأوسط). يقدم ديفيد هيرست، المراسل المخضرم في منطقة الشرق الأوسط والمقيم في بيروت، قراءة نقدية باذخة للتاريخ السياسي الحديث للبنان، ينطلق من نهاية الحكم العثماني، مروراً بتأسيس لبنان الكبير عام 1920، ووصولاً إلى الهيمنات المتتابعة بجميع أشكالها، الفرنسية (انتداب) والفلسطينية (الدولة داخل الدولة) والإسرائيلية (احتلال) والسورية (وصاية)، إلى عصر الأحزاب الإسلامية (حزب الله وحماس كما يصفها).

يستطرد أنه منذ احتلال فلسطين وقيام دولة إسرائيل عام 1948 تدحرج لبنان الحديث من «سويسرا الشرق» إلى ساحة معارك للآخرين، راسماً لوحة تاريخية فيها الكثير من الألم والدم، مجزرة المخيمات الفلسطينية صبرا وشاتيلا عام 1982 تحت أعين الجيش الإسرائيلي مثالاً. ويشرح وبالتفصيل كيف أن لا رجال صالحين في هذه اللوحة التاريخية. فقط زعماء يسعون لتحقيق أهدافهم بغض النظر عن الضحايا والدمار، المثير هو أن معظم الزعماء اللبنانيين المذكورين في الكتاب تم اغتيالهم.

يقف هيرست وقفة الخبير على محطات مفصلية في مسار الإحداث، طبعاً بحكم عيشه لأكثر من 50 سنة في المنطقة (تعرض هيرست للخطف مرتين)، إلا أنه يؤخذ عليه من بعض النقاد الغربيين علاقته الحميمية مع الشرق الأوسط، وكيف أنه ينكر وجود أسباب تاريخية لقيام دولة إسرائيل المحتلة بعد الحرب العالمية الأولى، غير أن ذلك لا يتعارض مع سرديته الثرية عن علاقة لبنان بجواره القريب والبعيد، الشرقي والغربي، الفارسي والعربي.

ولا يغيب عن الكاتب أيضاً وصف مجتمع لبنان المميز والمركب، مبيناً كل خطوط التماس الممكن إشعالها من الخارج، سواء أكانت طائفية أم حزبية أم مناطقية، مستنتجاً أن لبنان بموقعه الجغرافي كله خط تماس.

ولكن يبقى برأيه صراع الحدود بين دول المنطقة الدافع الرئيس لمشكلات هذا البلد، السبب لجعل هذا البلد الصغير ساحة معركة كما في عنوان الكتاب، مستعيداً بدوره نظرية العالم الثوري الروسي ميخائيل باكونين، محذراً من أن الدول الصغيرة ضحايا للدول الكبيرة ومصدر خطر عليها في الوقت نفسه. من يدري لربما كان يقصد باكونين لبنان أيضاً عند كتابة رسالته الشهيرة إلى صديقه عام 1870.

المهم، يكثر الحديث في السياسة اليوم على بقية المواضيع، وهذا طبيعي، فالأحداث الجارية في المنطقة تفرض نفسها وبقوة. ما يهم هو تذكر القاعدة الذهبية في أي نقاش، إذا أردت الكلام فعليك الاستماع، وإذا أردت الكتابة فعليك القراءة، وإذا أردت الكلام والكتابة في السياسة تحديداً فاستمع للجغرافيا واقرأ التاريخ، لا يكفي الحوار تحت عناوين عامة، لا بد من مراجعة الخريطة، وإذا ما راجعنا خريطة الشرق الأوسط فسنرى كيف أن الجغرافيا ابتدأت بالانتقام لحظة سقوط بغداد عام 2003 على يد الجيش الأميركي، وكيف برزت أدوار كبيرة لدول عربية صغيرة.

وإذا ما راجعنا الخريطة مرة ثانية فسنجد أن هناك دولاً عدة صغيرة تجاور دولاً كبيرة. مثلاً أميركا وجزيرة كوبا، وكل ما تحمله تلك الجزيرة من تاريخ، من خليج الخنازير ومجزرة جنود المارينز، وأزمة الصواريخ السوفياتية في ستينات القرن الماضي، وإذاعة هافانا الثورية، إلى فيديل كاسترو الرئيس الكوبي الذي لعب دوراً على قياس الحرب الباردة (بعد انتهاء الصراع الأميركي – السوفياتي لم تعد كوبا مصدر خطر لواشنطن!)، سورية ولبنان مثال آخر، فرنسا وكورسيكا، روسيا والقرم، الصين وميانمار (بورما)، وغيرهم كثير.

المقصود هو أنه حين تنتقم الجغرافيا «احذر» من الدول الصغيرة.

??* رجل أعمال.

Loading

اترك رد

اكتشاف المزيد من طارق فريد زيدان

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading