عندما صوتت مصر لمصلحة مشروع القرار الروسي في شأن سورية في مجلس الأمن، أول ما تبادر إلى ذهني أن هذه هي المرة الأولى منذ 38 عاماً، تأخذ القاهرة موقفاً سياسياً شرق قناة السويس. أول مرة منذ اتفاق «كامب دافيد» للسلام بين مصر وإسرائيل في 1978.
الجديد هنا أن الموقف المصري اتخذ على انفراد. بمعنى أنه لم يكن من ضمن إجماع عربي أو حتى تحالف دولي كما كان يجري في السابق. كما حصل في حرب الخليج الأولى وحرب تحرير الكويت في 1990 على سبيل المثال. طبعاً انقسم المتابعون حول الأسباب التي دفعت مصر إلى هذا القرار. البعض استنكر الخطوة والبعض ذهب مدافعاً إلى أن التصويت المصري رمزي. وهذا صحيح من منطلق قانوني لآليات إصدار القرار في مجلس الأمن. غير أنه من منظور سياسي جاء الموقف «فاقعاً» لناحية الظروف والبيئة السياسية للمنطقة. جاء في حال استقطاب دولي كبير من شأنه مفاقمة النزاعات الإقليمية. معرضاً الاقتصاد المصري وربما أمنها إلى مزيد من التحديات. فبعيداً عن العتاب والخصام الممارس بين الأطراف. لابد وأن للتصويت المصري من أسباب سمحت للقاهرة، في اعتقادها، بالقفز من فوق الإجماع العربي. أسباب تخص الواقع الإقليمي تجعلها تتخطى الاقتصاد أو حتى الاصطفافات الطائفية.
لطالما كان لمصر دور في المشرق العربي، وحتى قبل حفر قناة السويس، فهي جزء أساس من تاريخ المنطقة، والغريب ليس في وجود سياسة مصرية شرق السويس، بل كانت في عدمه. أصلاً العلاقة بين حاكم وادي النيل (مصر) وحكام آسيا الصغرى (الشام والأناضول) تشبه في حركتها نظرية الأواني المستطرقة. ما أن تمتلئ مصر بفن أو سياسة أو صحافة أو ثورة إلا وتفيض على أرض الشام، والعكس صحيح. ولعل أكثر من عبّر عن هذه العلاقة هو الكاتب المصري الراحل لويس عوض، حين كان يذكر دائماً أن الأمن القومي المصري يبدأ من جبل آرارات، الواقع اليوم في تركيا. المقصود هنا أن النظام المصري سواء أكان سيسياً أم مرسياً أم ناصرياً أم حتى علوياً (نسبة إلى محمد علي باشا والي مصر) سيجد نفسه ممارساً دوراً سياسياً على الأقل في المشرق العربي.
وعند الحديث عن الدور السياسي لمصر شرق السويس أو المشرق العربي ستفيض ذاكرتنا الجماعية بالممارسات الإعلامية والتدخلات السياسية في عهد الرئيس جمال عبدالناصر. من خطابات أحمد سعيد الرنانة (فاعلية إذاعة صوت العرب) مروراً بالوحدة مع سورية ووصولاً إلى التدخل العسكري المصري في اليمن. المهم بغض النظر عن الجدل القديم عمّا إذا كانت هذه التدخلات إيجابية أم سلبية. يتفق الجميع أنه مع دخول اتفاق «كامب دافيد» للسلام حيز التنفيذ، بتر دور القاهرة شرق القناة. وشارك العرب واشنطن في عملية البتر عند فصل مصر من عضوية جامعة الدول العربية. طبعاً كل لأسبابه. غير أن أسباب أميركا رسمت شكل المنطقة بينما العرب تصالحوا ومن دون مراجعة لأسباب الخلاف. فبعد هزيمة العرب المدوية مع إسرائيل في حرب 1967 ظهرت خطة أميركية جديدة اسمها الخطة العظمى The Grand Plan. عرّابها آنذاك مستشار الأمن القومي الأميركي هنري كيسنجر. وبموجب هذه الخطة تشرف واشنطن فيها على المشرق العربي لسد الفراغ الناتج من الانسحاب البريطاني. إذ أدت الحرب العالمية الثانية إلى انكشاف الإمبراطورية البريطانية التي بدأت تغيب عنها شمس الشرق الأوسط. تحديداً بعد الخسارة السياسية في حرب العدوان الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) على مصر في 1956. نصت هذه الخطة على أن تتولى واشنطن مباشرة حماية المصالح النفطية والاستراتيجية للعالم الغربي، ورعاية أمن الدول العربية ضد التسلل الشيوعي. معلنة عندها سياسة شرق سويس جديدة كبديل للسياسة البريطانية القديمة للمنطقة ذاتها. وفي هذا الإطار وهذه الحدود رسم لمصر، وربما لغيرها، دورها المستحدث. يكون الدور الجديد لمصر تحت سقف الإجماع العربي. وفي حال خلاف عربي – عربي لا يعبر دور القاهرة القناة إلا راكباً في عربة أميركية أو بمبادرة أممية. هكذا وصف دور مصر في حقبة الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك. ولكن شيء ما تغير.
حسناً إذا اتفقنا أن لمصر علاقة خاصة مع آسيا الصغرى، وأن حاكم أرض النيل عينه على النهر والعين الأخرى على الجبل. وأن اتفاق «كامب دافيد» ما زال قائماً. يعني إذا اتفقنا أن مصر ما زالت في موقعها على الخريطة. وأن النظام الحاكم فيها يحترم اتفاقاته ومعاهداته الدولية. أصبح أكيداً أن التصويت المصري لم يحصل لأسباب مصرية فقط. أكيد شيء ما تغير. مرة أخرى نجد إرهاصات الفراغ في المشرق العربي تغير قواعد اللعبة. في السابق استجلب الانسحاب البريطاني النفوذ الأميركي مستحدثاً دوراً مصرياً. واليوم من خلال الانسحاب الأميركي الممنهج من المنطقة يبدو وكأن الأدوار وحدوده أصبحت متغيرة للجميع، إنه الفراغ. نصل إلى أنه يحق لنا جميعاً كعرب مطالبة مصر باستعادة دورها الطبيعي ومن ضمن الإجماع العربي. كما يحق لمصر البحث عن دور يتناسب مع مصالحها وحاجاتها. ولكل معاتب لموقف مصر من باب أن كل هذا الدعم المادي يقابل بهكذا موقف، عتاب في غير محله. هنا نقول السياسة تصنع المال وليس المال الذي يصنع السياسة. وفي لحظة تتفتت فيها المنطقة ويمارس العنف بأقصى درجاته ينبري كل طرف إلى استغلال المرحلة، مصر تعيش هذه اللحظة. و تتحرك متّكئة على الفراغ وبضمانة الانقسام لا حصانة الميراث الثقافي. أو هكذا يبدو موقف القاهرة في شأن القرار الروسي.
![]()
