الاستفتاء البريطاني تراجع غربي لا تفوق.. دردشة على ضفاف السين

العالم الغربي اليوم يبدو وكأنه في كوكب آخر، بنظامه وسلوكه وحتى أساطيره. بينما صورة العالم العربي تتعزز مع كل حدث دموي كمجموعة قبائل تتناحر في ما بينها. قبيلة ترفع علم المذهب والأخرى تحمل ثأراً عمره أكثر من ألف عام. ولعل أكثر ما عبَّر عن هذا التناقض هو الحدث الغربي الأبرز. الاستفتاء البريطاني لأجل الانفصال أو البقاء في الاتحاد الأوروبي، والذي جرى الشهر الماضي.

بهذه الصورة النمطية استفززت أحد المستشرقين الأوروبيين للحوار على ضفاف نهر السين في مدينة باريس الفرنسية. عندها أردف الخبير بالعالم العربي الكلام شارحاً «الصورة النمطية تلك شيء طبيعي. فالحدث الغربي، الاستفتاء، أمر غريب عليكم أنتم العرب». بهدوء تام ومن خلف نظارته الخشبية اللون انسلت تلك الجملة كسهم لتستقر في قلب الحوار. ثم أكمل الخبير المستشرق مطالعته «عندما صوت البريطانيون لمصلحة الانفصال كال الكثير من المفتنون بالغرب المديح ومن دون أي مراجعة للأسباب أو النتائج». عقدة الخواجة أو تفوق الرجل الأبيض تقضي على أي محاولة للقراءة النقدية. أمام كل ذلك ولهضم هذه الممارسات الغربية، يذهب معظم المتابعين العرب إلى اعتبار أن ذلك العالم، يقصد الغرب، وكأنه ينتمي إلى كوكب آخر حتى يصبح الحدث أسهل للفهم والاستيعاب. والحقيقة قد تكون العكس تماماً.

لا يهم الحديث عن الاستفتاء ونتيجته من وجهة نظره، الحديث يجب أن يكون مركزاً على التغيرات الملحوظة في العالم الغربي وكيف أن المزاج العام للفرد الغربي اختلف عما كان عليه قبل 15عاماً، وعلى جميع الأصعدة. مثلاً على صعيد الأفراد – الزعامات – ظهرت حالاتان جديرتان بالاهتمام. شخصيتان برزت في الفترة الماضية القريبة ومن قلب العالم الغربي نسباً وحسباً وحتى جسداً كلون؛ المرشح للرئاسة الأميركية السيناتور بيرني ساندرز ورئيس حزب العمال البريطاني المعارض جيرمي كوربن. كلاهما أبيض البشرة. وعندما واصلنا ممارسة آليات التصنيف العربي المعاصر وجدنا أن كليهما ينتميان إلى خانة الأقليات عدداً ومذهباً. ساندرز اشتراكي وكوربن عمالي. ويستخدمان خطاباً عاماً ممانعاً بكل مفرداته، الخشبية منها واللينة. ساندرز ضد الاستيطان الإسرائيلي وكوربن وبخ سياسة اليمين الإسرائيلي. المثير في هاتين الشخصيتين، بالنسبة له، أن كليهما مرشحاً حقيقياً للسلطة. فقاعدتهم شبابية ومن خارج أروقة المؤسسات. هم – بحسب رأيه – يملكون جذوراً ثقافيةً واجتماعيةً وممارسةً سياسيةً، ولكن من خارج السياق التقليدي للعمل في الشأن العام. استطرد الخبير المستشرق شرحه عن التغيرات في العالم الغربي. مستذكراً مقولة وزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد وكيف أنه لم يكن دقيقاً حين وصف أوروبا بالقارة العجوز. موضحاً أنه لربما أصبح الغرب كله يشكو من عوارض التقدم في السن. وليس أدل على ذلك إلى حزمة التحديات التي يمر بها. أزمات عدة تسمح للمفارقات السابقة في البروز إلى العلن. من أزمة اللاجئين المتفاقمة، وكيف أن شواطئ أوروبا وشوارعها تفضح حجم فشل الساسة الغربيين، والإرهاب المعولم. إذ بات واضحاً أن الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق عام 2003 بحجة نقل المعركة إلى أرضهم فاقم من انتشار الإرهابيين بدل من الحد منهم. وآخرها الدعوات الانفصالية المتفاقمة نتيجة الاستفتاء لمصلحة خروج بريطانيا من دول الاتحاد الأوروبي. وأكيد انعدام الثقة بأجهزة الدولة والفساد المستشري والبطالة.

يكفي متابعة الإعلام الغربي لمعرفة حجم هذه الأزمات في الرأي العام. أزمات أصبحت تتدحرج ككرة الثلج ومعها ردود فعل بالحركة والحجم نفسه.

ولشرح حجم ردود الفعل يأخذ الخبير المستشرق الحديث إلى مستوى الاستغراب المثير للضحك. فهذه المفارقات الغربية الفاقعة في طريقة الممارسة لم تبدأ عند الاستفتاء الإنكليزي أو انتهت عند نتائجه فقط. يقول: «تخيل أن رئيس دولة غير بريطاني اسمه باراك أوباما يخطب من وسط العاصمة الإنكليزية لندن في عز حماوة الاستفتاء ومحرضاً للتصويت لمصلحة البقاء في الاتحاد الأوروبي. والأنكى من ذلك هو أن الفريق المقابل، أي فريق الانفصال، كانت ثقته بنفسه عالية لدرجة أنه لم يصرح أن ما فعله رئيس أميركا هو تدخل خارجي في شأن داخلي، وهو كذلك». أكثر من هذا، يستطرد باستعجاب أكبر «بعد ظهور نتيجة الاستفتاء يصرح وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري وبثقة مطلقة أن الانفصال لن يرى الحياة!». عندها باغته بسؤال ومن باب الإثارة عن المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية دونالد ترامب، وإن كان يجسد رد فعل أم ينتمي إلى سياق التغيير في مزاج الرأي العام؟ أجابني: «إن هذا الرجل ظاهرة فردية لا ترتقي إلى حال جماعية». مضيفاً: «علينا التفريق بين العدد والمشروع. صحيح أنه حصد أكبر عدد من الناخبين الجمهوريين، لكن ذلك بسبب غياب المشروع. التعصب والخوف ليسا بمشروع. في العالم الغربي الغالبية تعني المشروعية في فوز الانتخابات فقط. أما العمل في الشأن العام فذلك شيء آخر». استؤنف النقاش بالخبير مداعباً لحيته، ومرخياً نظارته عن مسار أفكاره، مركزاً بصره على فكرة وحيدة. «مع كل الأزمات التي يتشارك بالعناوين فيها العرب والغرب، إلا أن الغرب يستمر في التفوق النسبي على العرب، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، لا بد وأن لهذا التفوق أسباب كما للممارسات والمفارقات من أسباب». يكمل خلاصة مطالعته مبتسماً، «من الناحية العلمية أثبت علم الجينات أنه لا وجود لعرق صافٍ. مما يعني أن التفوق ليس في التركيبة البيولوجية للفرد الغربي. أصلاً الانفصال والانعزال من علامات التراجع».

يبقى السؤال؛ من أين لكم هذا؟

لم يتباطأ المستشرق في عرض أسباب التفوق الغربي. «القانون هو السبب»، هكذا أطلق فكرته وبكل حماسة قائلاً: «إن لدى الغرب احتراماً يكاد يصل حد التقديس للقوانين لا الأعراف والتقاليد. القانون بمفهومه وممارسته الشاملة وبكل آلياته وأفراده وحتى نصوصه. فهم لديهم قانون يحمي حقوق الأقلية والأكثرية. ويمنع ممارسة العنصرية، وفي الوقت ذاته يعطي الحقوق كاملة للعنصري غير الممارس لها. هذا سر التفوق».

من هنا وبعيداً عن خطاب الإعجاب بالغرب، الذي أصبح في اللاوعي العربي متجذراً، شكرته على الاعتراف الذي منحني إياه في آخر الحوار. شكرته على الحقيقة، أن العالم الغربي ما زال على كوكب الأرض، وأن سكانه بشر. ثم وافقته الرأي لتفوق الغرب من الناحية الاقتصادية والاجتماعية فقط من دون السياسية. وقلت له: «اسمح لي يا سعادة المستشرق بإضافة سبب آخر يجعل الغرب متفوقاً علينا نحن العرب. في عالمكم الغربي لا توجد دولة احتلال اسمها إسرائيل».

Loading

اترك رد

اكتشاف المزيد من طارق فريد زيدان

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading