تاريخ اضافة الخبر:4 مليارات من السعودية للبنان………عربون رعاية لا وصاية
بقلم: طارق زيدان
قد يختلف السعوديون على أهمية لبنان كبلد، الى أن الأكيد هو أن ظاهرة لبنان السياسي و تأثيرها باتت ضرورة للحياة السعودية. في الأعلام و الصحافة مرورا بالسياسة ووصولا الى المجتمع لا يخلو حوار الا ولبنان له حصة الأسد من النقاش. عندها يتم فرز المتحاورين وفق المعايير اللبنانية لفريقين منذ تأسيس لبنان الحديث بل حتى منذ لبنان الأمارة. اليوم اصبح الفرز تحت عنوانين 14 أذار و 8 أذار. أصلا لا يبدأ أي حوار أو ينتهي اليوم الى عند المربع الأول للفرز، السؤال: “من قتل رفيق الحريري؟”. فبكل بساطة يتم اختزال مخاض صراعات المنطقة و تنازعات الساسة اللبنانين ما بينهم على مر الأعوام الماضية. الاغتيال لا يحتاج لتوقيت لفهمه بل الى تسقيط لأستيعابه، كيف لا و صورة الأمن الوطني ملازمة لصورة الأمن الأيديولوجي، اذ يحسب الأغتيال هو ضد طائفة وليس ضد وطن. هذا رأي الجمهور ليس كله بل جزء غير يسير منه.
في حين يتقدم موضوع الأستقرار و كيفية ترسيخه في لبنان كافة الصعد على ما عداه من الأهتمامات العامة، يستمر قسم كبير من السياسيين و الاعلاميين و خاصة اللبنانيين منهم بطرح أسئلة عن فئة دم العلاقة بين لبنان و السعودية، على أساس ان العملية السياسية كالعملية الجراحية تستوجب التطابق للنجاح. أسئلة كثيرة تتطاير، في مقدمتها ماذا تريد السعودية من لبنان؟ وهل الهبة المالية الاخيرة هي للبنان ام لفريق لبناني ضد أخر؟ بمقابل أجوبة عدة منطلقة من وجهات نظر مختلفة و بدون التوصل لمفهوم موضوعي محدد. المهم لحسم الجدل و الأيحاءات معها طبعا لابد من التساؤل ما هي صورة المملكة اليوم في نظر القوى السياسية اللبنانية؟
لا يملك سياسي لبناني محايد تفسيراً لمواقف المملكة من الصراع في لبنان، ويربط هذا الاستغراب بأن للمملكة سلوكاً عاماً تميزت به في خلال العقود الماضية لا يكون متصلاً لهذا الحد بالعملية السياسية الداخلية في بيروت، مما يدفعه للقول بأن الرياض بعد أغتيال الحريري الأب دخلت عهداً جديداً من الدبلوماسية الصدامية التي تفرض عليها حسابات لم تكن موجودة سابقاً، بالفعل حافظت المملكة لفترة طويلة من الحرب الأهلية اللبنانية على صورة الاعتدال و التوازن داخل الوسط السياسي اللبناني، فلقد كانت الرياض تدعم الحركة الوطنية و تحاور بشير الجمّيل و تستقبل أمين الجمّيل (ممثلين عن القوى الانعزالية) في الوقت عينه. و من السياق نفسه يذكرنا السياسي اللبناني بالزيارة الشهيرة لزعيم حركة المحرومين السيد موسى الصدر للرياض. ويستطرد بالمراجعة التاريخية سياسيا، كيف أن اسم مدينة الطائف، قبل ان تتحول الى عنوان اتفاق و دستور، كانت خير دليل على تبني الدبلوماسية السعودية السيد حسين الحسيني كرئيس و مرجع. الصورة اليوم اختلفت في ظل الانقسام الحاد ما بين قوى 14 أذار و 8 أذار.
ويمكن تتبع صورة المملكة عند كل مفصل من الصراع القائم، من موضوع المحكمة الدولية مروراً بالجدل حول شرعية حكومتي فؤاد السنيورة و نجيب ميقاتي مرورا بالعمليات المنسوبة للحركات الأصولية ووصولا الى تدخل حزب الله في سوريا. التصريحات المتتالية من جميع القوى السياسية موالاة او معارضة والداعية إلى حماية الحكم للأكثرية النيابية او حماية الميثاقية للأقلية النيابية، كثيراً ما كانت تُنظر على أنها موقف وموقع المملكة من الصراع.
بالجملة، السعودية اليوم طرفاً في النزاع، إما بطريقة مباشرة، كما يدعي حزب الله على لسان أمينه العام أو غير مباشرة عبر حلفاء لها. فبعد انكفاء مصر واحتلال العراق و اتهام سوريا (بالأغتيال) و انفلاش ايران ألبست السعودية حلة البلد السنُي خالعة في نظر الكثير من اللبنانين المحبين للمملكة، عباءة القطب الإسلامي أو العربي. وأما بالمفرق: يمكن وصف صورتها الحالية على أن المملكة على مستوى القيادة مضطرة للدخول في تفاصيل التفاصيل للعبة السياسية اللبنانية، وكذلك تفاصيل متابعة شؤون حلفائها، هذا والإنفاق السعودي في ارتفاع مستمر من دون إنجاز أو حتى تحديد لأهداف مركزية لهذا الإنفاق. هذا رأي الأحزاب السياسية اللبنانية اليوم، ليس كلهم بل جزء غير يسير منهم.
لنتفق أولا، ثمة مفارقات فاقعة في الممارسة السياسية، أو كما يحب أن يسميها اللبنانيون بالصيغة، عند الأقتراب من التحليل. فكثيرٌ من المتابعين للشئوون اللبنانية في السعودية خاصة ينطلقون في تحليلهم للصراع ما بين القوى السياسية اللبنانية من باب توزيع الطوائف جغرافياً، راسمين بذالك صورة تحليلية غير دقيقة عن الممارسة السياسية في لبنان. ولعل مقولة الرئيس اللبناني السابق كميل شمعون في انتخابات عام 1960م أكثر تصوير يفسر الصيغة اللبنانية. حيث وصف المنافسة الأنتخابية في منطقة الأشرفية حينها على أنها معركة مارونية و على أرض أرثوذكسية بمال كاثوليكي و بأصوات أرمنية. فالتعدد الطائفي في المجتمع اللبناني لا يمنع حقيقة أن دوافع الحركة لدى كل حزب سياسي تظل من باب المصالح المتبادلة. التأجيج المذهبي يخدم كمستقطب مرحلي للمشاعر و العصبيات، ولكن التحالفات السياسية هي الورقة الرابحة للمشاركة في الحكم. طبعا نجاح هذه الحركة مرتبط بالخارج، أو كما هو معروف بالتدخل الخارجي.
فمثلا، ومن الذاكرة الجماعية اللبنانية ايضا، معظم رؤساء جمهورية لبنان الاستقلال جاؤوا بالتوافق مع الخارج. مع بشارة ألخوري كان توافقا بين الزعيم المصري مصطفى النحاس باشا والرئيس السوري شكري القوتلي. و مع كميل شمعون بين الراعي الانكليزي و الرئيس السوري أديب الشيشكلي. ومع فؤاد شهاب الأمريكيون و الرئيس المصري جمال عبد الناصر. ومع الياس سركيس الأمريكيون و الرئيس السوري حافظ الأسد. ومع بشير و أمين الجميَل كان الأمريكيون و الإسرائيليون. ومع رينه معوض كان الأمريكيون و السعودية و الرئيس حافظ الأسد. ومع الياس الهراوي و أميل لحود (العهد الأول) كان للسعوديين و السوريون الكلمة الفصل. المسألة اذا ليست في أي طائفة ينتمي لها المرشح فقط، فالحكاية تبدأ من الطائفية السياسية و نظام المحاصصة في السلطة وصولا الى التأثير الخارجي.
حتى ألية صناعة القرار اللبناني الرسمي لم تستثنى من التدخل الخارجي. فعلى سبيل المثال قرار الحرب و السلم لم يكن يوماً بيد الدولة اللبنانية. فمنذ اتفاق الطائف، السعودي دبلوماسيا و السوري مديرا و الامريكي راعيا، كانت الحكومات المتتالية تمارس دورها في الشكل بينما يتم اتخاذ القرارات المتعلقة بالسيادة و العلاقات الخارجية خارج هذا الإطار. فالتحالف الرباعي عام 2005م (المستقبل، حزب الله، حركة أمل، التقدمي الأشتراكي) والذي أتى بحكومة السنيورة بغالبية 126 صوتا” من أصل 128 صوتا” وجدت نفسها عاجزة عن الحكم عند انكسار هذا الحلف و خاصة بعد العدوان الإسرائيلي في تموز/ يوليو 2006 مما شل الحكومة و ادخل البلاد في عامين من الصراع البارد. لا بل ان اتفاق الدوحة عام 2008م، الذي وضع معايير تنظيم الصراع الداخلي، اخفق في الحد من تأثير الصراعات الإقليمية والدولية.
من هنا يمكننا القول أن العمل السياسي في لبنان يتمحورحول عملية تدوير الزوايا، وتبقى أكثر هذه الزوايا بروزاً هو سلاح حزب الله. فلقد اثبت أن العمل العسكري كحرب تموز /يوليو 2006 والاستنزاف السياسي الداخلي في الصراع المذهبي أو غيره، اثبت عدم نجاحه في نزع هذا السلاح أو حتى وضعه ضمن مؤسسات الدولة، حتى الجدل الإعلامي الذي كان عصب هذا الصراع، أصيب بنكسة عند نجاح هذا السلاح في تحرير جميع الأسرى اللبنانيين. مما يثبت الرأي المتداول أن سلاح حزب الله متصل عضوياً باستراتجيات المنطقة. وعليه، لمقاربة هذا الموضوع بالطريقة الأنجع، يكون على قاعدة أن لهذا السلاح ايجابيات يجب توظيفها وسلبيات يجب تحييدها. ومن هذا المنطلق يتم تحجيم الأبعاد الإقليمية و الدولية مع توسيع مساحة التفاهم على تعريفات سياسية واضحة لمفهوم المقاومة وعملها ضمن إطار مؤسساتي للدولة. أي بمعنى أخر و على طريقة رفيق الحريري تحويل القضية من سلاح خارج الدولة الى سلاح بيد الدولة.
لنعد اذا لبداية الجدل الحقيقي و الذي يقع في مضمون السؤال نفسه “من قتل الرئيس رفيق الحريري؟”. السؤال الذي يحمل ايحاءات كثيرة لا علاقة لها بالمصالح الدولية و تأثيرها على استقرار لبنان. وفيما يخص العلاقة السعودية اللبنانية تحديدا يوحي و كأن الأمن الوطني السعودي يبدأ من أي مكان يتواجد فيه حلفاء فقط وليس مصالح يستحق الدفاع عنها. يوحي و كأنه لا توجد سياسة سعودية لادارة لبنان بل ادارة لبنانية للسياسة السعودية. فبالرغم من كثافة التدخلات الإقليمية و الدولية على كل المستويات في لبنان تتحمل المملكة مسؤولية “خاصة”، وهذه المسؤولية ذات طابع سياسي و اقتصادي و إعلامي و أمني، نطاق هذا الدور الخاص يكمن في تغليب الطابع السياسي بعيداً عن الدخول في عملية الأطراف والتشنج المذهبي كما يدفع به البعض في بيروت. الايدولوجيا ليست قاعدة الخلاف الراهن في لبنان. الذي انحدر ما دون السياسة، فحريٌ بالمملكة أن تستمر في دور الراعي الحريص على استقرار المؤسسات الرسمية اللبنانية و عمادها مؤسسة الجيش اللبناني الوطني، ماديا ولو بالحد الادنى، 4 مليارت عربون رعاية
![]()
