حكاية العهود الثلاثة-الزيدان
الثورة العربية الكبرى………..
ذهب عهد عبدالحميد مع ثورة حزب الاتحاد والترقي. وعهد رشاد من بعده لم يكن يعطي الخلافة الرافعة لاسترداد الولاء. حينها بدآ سلطان الخليفة العثماني بالآضمحال. فالولاء للباب العالي آخذ يتدحرج نحو الانشقاق في الأقاليم العربية. وذهب كل إقليم يبحث عن مخرج. والتدخل الخارجي البريطاني والفرنسي يمشي على قدم وساق. اثارة وتحريض وكل أنواع الآعمال السرية.
مصر الخديوية والتابعة شكلا للدولة العثمانية أصبحت مملكة يوم ثمانية وعشرين فبراير وبعد خلع الخديوي عباس الثاني. عندها اصبح السلطان ملكا. وآصبحت مصر لها وزارة خارجية وسفراء وقناصل. مع آن الآنجليز كانوا لهم اليد الطولى في الشأن العام. لكن مصر ظلت محتلة. ليثور زعمائها على المحتل. غير آن قناة السويس بآهميتها الاستراتيجية امتصت الثورة واستوعبتها. لتتحول ارض الكنانة والآهرامات وآبو الهول والنيل الى مستوعب للعسكر البريطاني.
اما الشام، اقليما عربيا متصلا واسعا وغنيا. يمتد من معان جنوبا الى اضنة والإسكندرية شمالا ومن رفح غربا الى الجزيرة على الفرات شرقا. قسمت وتشرحت الى شرائح. قسمها التتريك ليشرحها الآنجليز والفرنسيين. وبالرغم من آن الشام هي قلب العروبة النابض فمنها مصدر القومية العربية والمكمن المغذي لها.
كان للشام نصيب من الثورات المتتالية. وكان الثوار من اهل الشام على استعداد بتقبل أي ثائر عربي. فتحوا صدورهم وآستقبلوا ثورة الحسين بن علي. ولم تدبر عن سلطان نجد وملحقاتها الآمام عبد العزيز بن عبد الرحمن. حتى آن فيصل بن الحسين حين خسر العرش في دمشق وجد انه قد يرى العزيمة في ان يكون مع الملك عبد العزيز. وان لا يلجآ الي آبيه في مكة. وهو قال ذلك في حيفا لجميل مردم بك وعوني عبد الهادي ونوري السعيد وحيدر رستم. وقد سمع محمد بذلك من جميل مردم شخصيا يوم زار المدينة.
والحجاز يعيش على جمر الغضى. تحركات من الأهالي والقبائل، كلهم يريد تقرير المصير. الآعداد في مكة والعدد في الطائف وحولها. والتواصل مع الخارج يتم من جدة. وفيما خص المدينة يتذكر محمد التفاصيل في الاعداد والعدد. يعرف حركة السلاح. ويسمع عن خطابات التسليح والتثوير. يعرف المع والضد في الموقف. ففي رابغ بامرة اميرها القبلي حسين بن مبيريك ظل على ولائه للدولة العثمانية. حتى آنه آي محمد يتذكر جيدا مقولة سعيد أبو عوف وهو آحد المتصلين الآتصال الوثيق بشيخ الهبة من عوف المسروحية الحربية قال”الاتراك حاربها العرب غلط. كانوا يرسلون كل شيء من آستانبول حتى الكنادر”.
قالها أبوعوف وفعلها ابن مبيريك. ليتم تدبير آغتيال حسين بن مبيريك في جرول في مكة. فاذا بآخوه إسماعيل بن مبيريك له الدور الإيجابي مع الملك عبد العزيز. هذا الدور الذي ترجم بحجز نوري السعيد وجعفر العسكري ومن معهما من ضباط العراق الذين اطلق سراحهم الانجليز من الاسر وآرسلهم مددا لفيصل بن الحسين. لم يستطيعوا ان يركبوا البواخر بقربهم من الوصول الى الساحل، فحوصروا في ابار ابن حصاني.
والمدينة يومها كانت تموج بكثرة السكان. عمل بالنهار وسهرات بالليل. كان ذلك يوم آستبشرت بعزل الوالي بصري وقدوم الوالي الجديد فخري. كل يتقرب ويتحدث مع فخري. وما آدراك ما فخري بفاعل. فصوت طلقة الحسين بن علي والتي اذنت بقيام الثورة العربية الكبرى وصل صداها المدينة المنورة. وقد سمعه محمد قبل آن تطلق الرصاصة.
آول سر حفظه الطفل محمد………….
لعل محمد قد بلغ العاشرة من عمره. يجلس في دكان ابيه. في سوق الحبابة. معتزلا لا معزولا عن مشاغل العائلة ومشاكلها. فالتعدد في الزوجات له آرتداداته. والاب كان مزواجا. لا يطيق محمد الخصام. خاصة بين الآهل. وكل من عرفه كان يرى كيف يسرع لاطفاء حريق الخلاف ومن دون معالجة آسبابه.
على قاعدة البدوي”حنا استجلال وهن استجلال” آكتسب مهارة العزل الارادي. حيلة تعلمها من الصغر لتكبر معه.
في آحد الايام وهو يطالع ما تيسر له من كتب سمع صوت جهير. صوت عالي ينادي.
خرج من عزلته ومن الدكان مسرعا ليلتف يمينا من باب المصري ليصبح آمام سبيل ستنا فاطمة. بناء في منتصف السوق. فاذا آمامه السيدان بافقيه ومحمد هاشم ممسكان ببيرق ومناديان بآعلى صوتهما” الجهاد يا مسلمين”،”الى السويس الى السويس، آخرجو الانجليز من السويس آخرجوهم من مصر”.
سمع الكل هذا النداء وذهب الكثير يستعد للجهاد. وسمعه محمد بآذن عقله. وقال الله يستر.
هم والد محمد باغلاق الدكان. وماهي لحظات حتى هاج السوق وماج. جر حسين ابنه محمد من يديه قائلا:”آذهب الى البيت”. هو يقصد بيت زوجته الكبرى، فمازال محمد يعيش عند جدته في بيت الشعر وفي حوش خميس. وما آن وصل محمد الى البيت حتى وصل معه آباه.
“آين ذهب في هذه السرعة؟” تسآل الطفل.
في تلك الفترة كان آهل المدينة يستبشرون خيرا بعزل الوالي العثماني بصري باشا وقدوم فخري باشا. حتى آنها آي المدينة كانت تموج بكثرة السكان. عمل بالنهار وسهرات بالليل. وآفراح متتالية كل يوم.
واستبشروا ايضا بمجيء انور باشا وهو الرجل الثاني من الآتحاديين. وذهب الكل يبحث عن ترتيب جديد مع الوالي الجديد كما كان الشريف علي بن الحسين وأخيه فيصل. فهم لم يفارقاه لآنور او فخري باشا. وكآنهما رهينتان غير معلنة. ليطمئن انور وفخري بوجودهما عن آي تحرك ضد الآتراك. في حين كان اخوهما الشريف عبد الله بن الحسين في مصر في ذلك الوقت يفاوض السير هنري مكماهون. يتبادلا الخطابات والوعود تحضيرا وترتيبا للثورة على الآتراك.
وسكن الشريفان على وفيصل خارج السور. لآنهما كانا يخافان الحجز داخله ساعة الصفر. او ساعة التحرك. فنزلا خارج الباب الشامي في بيت مصطفى سليم. بيت بني خصيصا لهم. واجهته غاربة وظهره الى آول حدود التمار لا يبعد عن سقيفة بني ساعدة كثيرا. ولا يبتعد عن العطن سكن البادية. فتم بذلك لهما آن يطمئنا الباشا وآن يجندا من اطاعهم من القبائل. كزعيم اهل العوالي الشريف شحات بن علي واخوه ناصر. كما اطاعهما من بعض بني عمرو اهل الريان وآبو ضباع والفرع وعلى رآسهم آحمد بن جميعان.
دخل حسين البيت مسرعا. وطلب ثيابا وعبآة من زوجته وهويمسك سيف بيد وبندق آبوآصبع بالآخرى. فقد كان يهوى السلاح.
صاحت الزوجة:”آشبك مربوش؟”.
آجابها:”خذي الذهب وبيعوا البضاعة التي في الدكان انا رايح للجهاد”.
بهت كل من في البيت. محمد والآخوات. وصار البنات يبكين راجين اباهم بالبقاء، متعلقين بطرف ثوبه. لكن الزوجة تماسكت. لم تعلن تآثرها. وفي غفلة من آمر حسين لبست بختية، الزوجة (نسبة الى النوق البخت) ملاءتها في ليل وخرجت.
خرجت من زقاق الطيار الى حوش خميس الى بيت آحمد بن جميعان العمري. وآخيه بادي بن جميعان صاحب العقل الكبير. طرقت الباب بتوتر فاضح. عرفها ابن جميعان.
فتح الباب متسآلا:”خير آيشبك بختية، حسين فيه شيء؟”.
قالت:”حسين جمع سلاحه وترك حلاله ويريد الذهاب الى الجهاد”.
تمتم بن جميعان وطمن بختية قائلا”روحي للبيت وآنا وراك”.
وصل ابن جميعان آحمد، وجلس هو وحسين في زاوية البيت. نادت بختية على محمد ليقوم بتقديم القهوة. والآخوات يحاولون استراق السمع خلف الجدران. وبعد آن ضيف القهوة جلس محمد معهم يسمع ما يدور من حديث. تفاجآ كيف آن آبوه لم يعد يطيق الآنتظار. وآنه آصبح يغلي من كثر ما يسمعه من جرائم الآنجليز.
“آي آنجليز وآي آنتظار” علامة تعجب رسمت على وجهه.
عندها تآهب بن جميعان، ممسكا بطرفي عباءته وضمهما الى وسطه مركزا بصره على حسين قائلا:”يا مهبول وين انت رايح ما بقي الى ثلاثة آيام نشبها على الآتراك، يشبها حسين (الشريف حسين بن علي) في مكة، آشبها آنا في آبار علي ويشبها شحات (الشريف شحات بن علي قائم مقام المدينة) في العوالي، لن تعود إذا رحت اجلس مع عيالك، هذا لعب عيال يخرجونكم من المدينة لتهلكو في سيناء……حرب الآنجليز موهينة”.
تراجع ابن جميعان باسناد ظهره الي المسندة. وعيون حسين مصوبة لا ترمش تجاه الحائط. وكآنه يراجع نفسه بعد ان هدآت خواطره. ليآخذ نفسا طويلا ويلحقه بزفير كآنه يطرد السلبية من جسمه. ثم يومآ برآسه موافقا صديقه.
“معاك حق والله معاك حق، الله يصبر الجميع”.
كانت آشارة حسين بالبقاء وعدم القتال الآثر العميق في المنزل. تنفس على الفور الآخوات والزوجة الصعداء. وهم ابن جميعان بالرحيل. عندها نظر حسين الي ابنه ومن دون كلام آو حركة. هز محمد برآسه. كانت النظرة بليغة. هذا هو السر. آحفظه.
علم محمد الطفل هذا الخبر. علم آن العرب سيثورون على الآتراك. وآن الانطلاقة من مكة ومن الشريف الحسين بن علي. لكنه لم يكن ليفشي السر.
لم يخن حسين آو ابنه محمد العهد. ولو آرادا لكان بمقدورهم اخبار غالب باشا الشعلان معاون والي المدينة. هوعربي. ويستطيعون آن يكلماه بالعربية ليعلم فخري باشا.
وهكذا، قتل الرجال وحرقت المنازل في العوالي وآبيار علي، وفخري باشا والي المدينة لا يتحرك، ولا يآمن آي قبلي. وابتدآ الترحيل من المدينة. بدآ عهد السفر برلك.
طارق زيدان-فصل من رواية يتم آعدادها
![]()
