من على الشرفة سألت: مجتمعنا شاحنة ثقيلة.. كيف نجرها؟

«اللي فات مات وإحنا ولاد النهاردة»، كما يقول المثل الشعبي المصري الدارج. من أين نبدأ نقاشنا: «من الحاضر أم من المستقبل؟»، سألت نفسي متأملا من على شرفة المنزل.

«معك حق»، خاطبت نفسي، فما يهم الآن هو حاضرنا. ثم أكملت، لكن لمعرفة الواقع المعقد وتحديدا في لحظة التغييرات والتحولات الكبرى، لا بد من العودة إلى الأساسيات.

لو ذهبنا إلى سنة أولى جامعية (علوم سياسية) لاستحضار بعض القواعد الأساسية في التحليل، سنجد أن كل موقع سياسي عبارة عن أرض وموارد. السعودية أرضها الجزيرة العربية وهي مطلة على الخليج والبحر الأحمر. ومواردها نفط وغاز ومعادن وغيرها، ويرادف كل موقع فضاءات متعددة، إعلامية وعسكرية وثقافية وغيرها.

يمكن القول ان ضم كل هذه العناصر في خطة عمل اسمها سياسة هو التحدي؛ فالسياسة ليست عملا تطوعيا أو جمعية خيرية، ما تخسره أنت يكسبه طرف آخر، سواء أكان حليفاً أم عدواً، لكن يبقى على العمل السياسي خلق التوازن بين الفضاءات والأرض والموارد، وهو ما لم يحصل في حالة دولة قطر الشقيقة، على سبيل المثال لا الحصر، ذلك أن الفضاء الإعلامي عندها تضخم بما لا يتناسب مع حجم الأرض والموارد، ناهيك عن القدرات العسكرية والثقافية.

يقود ذلك إلى استنتاج قابل للنقاش: هل من المقبول لبلد بموقع السعودية ومواردها أن يعاني من انحسار الدور؟

رؤية 2030 السعودية التي ننتمي إليها تحتم علينا تأمل أحوال الإقليم؛ نحن نعيش في منطقة على كوكب الأرض تتميز بأنها تحتضن أكبر الثروات الطبيعية، النفط مثلا يربطنا مباشرة بالاقتصاد العالمي، إذ هو وقود الحضارة الإنسانية حتى إشعار آخر.

كما أن منطقة الشرق الأوسط، ونحن جزء لا يتجزأ منها، تشكل شرفة مطلة على كل حركة في هذا العالم، سواء مالية أم معلوماتية أم تجارية. نعم، نحن نعيش في منطقة تطل على ستة بحار (الخليج العربي والبحر الأحمر وبحر العرب والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود وبحر قزوين)، وتشبك ثلاث قارات بريا هي آسيا وأوروبا وأفريقيا.

غير أن هذه الشرفة تشهد صراعات طائفية وسياسية بأبعاد محلية وإقليمية ودولية، كما أن أبناء هذه المنطقة هم شهود على هدر امتيازات هذا الموقع بسبب غياب النظام الإقليمي العربي. أصلا المجتمع الدولي لا يستطيع الانتظار حتى تنتهي هذه الصراعات. ثمة حسابات ومصالح تحدد موقفها ولا تقيم وزنا لمصالح الآخرين. من هنا علينا إعادة قراءة الخريطة.

بعد أكثر من 15 سنة من الصراع والحروب بالوكالة على أرض الشام والعراق، أصبحنا أمام خريطة جديدة، خريطة سياسية أفرزت واقعا سياسياً جديدا، إذ نتج عن هذا الصراع اتفاقان دوليان جديدان، يحمل كل منهما في طياته الكثير من الأبعاد؛ الأول: هو الاتفاق النووي الإيراني (خمسة + واحد). الثاني: هو الاتفاق الكيماوي السوري. كلا هذين الاتفاقين رسم حدود استخدام القوة العسكرية، وأبرز أن المجتمع الدولي حريص على بناء نظام إقليمي جديد مختلف عن الذي شهدناه، سواء قبل احتلال العراق في العام ٢٠٠٣ أم بعده، بمعنى أن كل عمل ينصب في خانة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، يعتبر تشويشا على الإرادة الدولية.

قد يجادل البعض أن هذا الاتفاق أو ذاك قد يلغى وأن الصراع الدائر لن يتوقف. فهناك إسرائيل، وهنا إيران وتركيا وروسيا وأمريكا. كل ذلك ممكن، إلا أن الواقع يجعلنا ننظر إلى الصورة التي ترتسم أمامنا تدريجيا، ما نريده في المستقبل هو ما نتحاور عليه في الحاضر.

إذا كنا أولاد اليوم، فمن واجبنا ألا نسقط أمنياتنا على الواقع، فالفرق بين التخطيط والتمني هو أن المخطط يتعامل مع النتائج، أما المتمني فيريد إعادة تدوير النتائج.

«لحظة.. لحظة» ماذا عن الرسوم المفروضة من الدولة وتقليص اعتمادنا على إيرادات النفط؟ «هذا إجراء طبيعي» قلت لنفسي. فالرسوم الحكومية هي القابلة القانونية للتحول.

أما في ما يخص النفط، فلنعترف كما اعترف ولي العهد الأمير محمد بن سلمان «نحن مدمنون»، ويجب معالجة هذا الإدمان، كما أن النمط الاستهلاكي المفرط الذي نعيشه هو نمط غير صحي لجسم المواطن وجسم الدولة.

لنتفق هنا، نحن نريد من الدولة أن تقود القافلة، نريدها أن تجر عربة المجتمع نحو المستقبل. هذا ما نريده صحيح. حسنا، عربة المجتمع اليوم أشبه بشاحنة وزنها أكثر من 100 طن محملة ببضائع ثقيلة جدا، بإدماننا وحياتنا الاستهلاكية ناهيك عن بعض الأفكار الاجتماعية البالية.

نحن كمن يريد أن يجر شاحنة ثقيلة الوزن باستخدام دباب!

* كاتب سعودي.

Loading

اترك رد

اكتشاف المزيد من طارق فريد زيدان

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading