للمستشرق الفرنسي هنري لورانس مقاربة عن عالمنا
العربي. يقول: «أميركا اللاتينية بعيدة من الله ولكنها قريبة جدا من
الولايات المتحدة، أما العالم العربي فهو قريب جدا من الله وقريب جدا من
الغرب، وهذه مأساته».
كأغلب المستشرقين، يتكلم لورانس اللغة
العربية، وهو يشغل منصب أستاذ تاريخ العالم العربي المعاصر في جامعة كوليدج
دو فرانس باريس، ومن خلال أعماله وأبحاثه صعد بمكانته الأكاديمية ليجالس
الكبار كالمستشرقين الفرنسيين جاك بيرك ولويس ماسونيون.
له مؤلفات عدة تناولت العالم العربي والإسلامي في حقب تاريخية مفصلية، منها: «أوروبا والعالم الإسلامي: تاريخ بلا أساطير» و«السلام والحرب في الشرق الأوسط»، إضافة إلى كتابيه المهمّين «بونابرت بين الإسلام والدولة اليهودية» و«الأصول الفكرية للحملة الفرنسية على مصر: الاستشراق المتأسلم في فرنسا». في الأخير خلص إلى أن بونابرت أراد منح يهود أوروبا أرض فلسطين خلال الحملة الفرنسية على مصر (١٧٩٨م – ١٨٠١م).
في كتاباته، يغوص لورانس في أعماق العلاقة المثيرة بين الشرق والغرب، مقاوما الأمواج التقليدية في التحليل وتقصي المعلومات، وهو ما كان جليا في كتابه الحديث نسبيا بعنوان: «مسألة فلسطين»، يرى لورانس أن أهم نقاط التقاء العالم العربي والإسلامي بالغرب وأوروبا هي لحظة «احتلال فلسطين» على حد وصفه.
يقدم لورانس قراءة توثيقية دقيقة لتطور الصراع على أرض فلسطين، ويدعم نظرته بالعديد من الوثائق المعتمدة، مقدما وصفا باذخا لمأساة القرن في صفحات الكتاب – المجلد. يجول المؤلف باحثا عن حلول للمسألة الفلسطينية التي تبدو صعبة المنال بالنظر إلى موازين القوى العالمية الحالية، بحسب وصفه.
وعلى رغم مكانته الأكاديمية، يبدو أنه قد تسرب إليه شيء من سخرية الأحداث العربية في العقد الأخير، فحين نقارب متابعته للأحداث العربية الراهنة تتبدى عناصر الجاذبية وأكثرها إثارة التهابات «الربيع العربي». صراعات سياسية وقودها الدين. كرة من النار أشعلت على خط التماس التقليدي مرورا فوق كل الأماكن المقدسة، من شط العرب في الخليج حتى شط الغرب في المحيط الأطلنطي، خطوط طاقة (غاز ونفط) ومجموعات متناقضة (مليشيات وجيوش نظامية) تتشارك من حيث الموقع، بحسب فتوى لورانس، في هذه الأحداث الملتهبة.
لنأخذ مثلا ما يجري على أرض الشام، هناك نظام عقيدته علمانية بعثية (سورية) يضع يده بيد نظام ثوري إسلامي (إيران). تقف وراءهما قوة عظمى تحولت من الشيوعية إلى الرأسمالية المتوحشة (روسيا)، ومن حولهما تقف (تركيا) بكل ما تحمله من تناقضات إسلامية علمانية عثمانية وأطلسية وربما أوروبية، والغرب المنقسم في أولوياته السياسية بقيادة (أميركا) في كل ضيعة وكل مساحة وكل فضاء.
صورة تجمع المتناقضات، انطلق الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان منها ليضع إطارا دقيقا للحل السوري بصفته أول مبعوث دولي لحل الصراع هناك، وجد هذا الخبير الدولي المخضرم أن هناك على الأرض رجال تقاتل باسم الدين (حزب الله) بينما توجد في السماء دول تضع يدها بيد الشيطان الأكبر (أميركا وسورية وإيران، الاتفاقان النووي الإيراني والكيماوي السوري).
ولا يمكن القفز من فوق صورة الأحداث الماضية في بلاد النيل. إذ شكا كثيرون من ضياع البوصلة، عندما اعتبر نظام الرئيس المصري حسني مبارك أن المساكنة بين الدين والغرب هي سياسة! وبحسب فتوى لورانس، سنجد مرة ثانية أن موقع النظام في مصر كان قريبا جدا من الغرب، مسافة وسياسة، وأيضا قريبا جدا في نظر الشعب من الله، طالما ثروته في خدمة الغرب وثورته خادمة للدين.
المهم، قد يدّعي البعض أن قيمة السياسة هي في جمعها للمتناقضات، وأنها فن لن يفهمه العامة، وأنها كما قيل في الشعر «أصدق الأبيات أكذبها في الوصف»، وقد يبالغ أحدهم أنه أصلا ليس مطلوبا من العامة فهمها.
وللدقة هذه الفتوى حمالة أوجه.
فحين أطلق لورانس مقولته في وصف المنطقة العربية لعله كان يقصد بلاد الشام ومصر تحديدا، فلم أجد المقولة تنطبق على مناطق عربية أخرى. المقولة التي فيها جانب كبير من التهكم.
هنا تظهر عبقرية فتوى لورانس التي تكمن في ثنائية الحقيقة – السخرية، والتي تصنع مأساة هذه البقعة من الأرض، فأصبحت مواقع الدول اليوم لا تحددها الخريطة، بل العقيدة. وقد تكمن المفارقة في أن الحقيقة اليوم أصبحت مدعاة للسخرية.
![]()
