عندك شجاعة الكتابة فستكون عندي شجاعة النشر
تذكرت نقاشات عدة بين هيكل وناصر حول تلازم الإعلام والسياسة. أتذكر كلامهما أن الإعلام في أحيان كثيرة يصبح منسقا للعمل السياسي، وكيف أن الأدوار تختلط بينهما… وعليهما، وتحديدا حين تقتحم مفردة الأمن الوطني المشهد السياسي ومواضيعه وأخباره. هناك عنوان عريض يطرح مرارا: المسؤولية الوطنية أمام كل صحافي والمساءلة الوطنية أمام كل سياسي.
ثمة خيط رفيع بين المسؤولية والمساءلة، وهذا يذكرنا بأن الأعمال بالنيات كما في الحديث النبوي الشريف. أما في معادلة الإعلام والسياسة، فيصبح العمل الإعلامي أحيانا كثيرة بالسياسات لا بالنيات. الخيط الرفيع يحدده الشخص نفسه.
من بين تلك الحوارات، دوّنت نقاشا دار بينهما في خريف العام ٢٠١٢م. كان خريفا داكنا وبائسا. فصل تكتب فيه الأفكار والمصالح والأخبار في الإعلام بالدم المسال على أرض سوريا والعراق والبحرين واليمن وليبيا ودائما باسم الدين.
هو خريف الربيع العربي.
خريف امتلأ فضاءه الإعلامي العربي بوحشية الإرهاب. مشاهد رؤوس تقطع وجماعات تباد ونداءات بالجهاد والتكبير. استدعاء لنصوص دينية تهدر في الإعلام كهدير أنهار الدم المسال في العالم العربي. في كل محطة إعلامية ووسيلة تواصل اجتماعي بثت صور القتل والجرائم كقنابل إعلامية تتفجر داخل كل منزل.
كله باسم الدين.
بدا واضحا، أقله بالنسبة إليّ، مشاركة الإعلام في نشر هذه الصورة الوحشية القاتمة.
وبالرغم من أن فصل الخريف هو من فصول السنة المحببة لدي، حيث يغمرني شعور التفاؤل الذي يجسده هذا الفصل كنقطة انطلاق جديدة للسنة القادمة بكل الآمال المعلقة عليها. غير أنني وجدته في هذه الدورة السنوية نقطة بداية لا نهاية لما مضى من أحداث. إمتلأ الفضاء الإعلامي بالهمجية أكثر وأكثر وكأن الوحشية بئر لا ينضب.
تساءلت أين الشجاعة في الإعلام، وأين المسؤولية في البث؟
وقتذاك، التقيت الأستاذ مصطفى ناصر في جناح غرفته في فندق الفورسيزونز بالقاهرة حيث كان يتابع نشرات الأخبار الليلية كعادته. وجدته منهمكا بمتابعة نشرة أخبار تلفزيون الجديد، فجلست بجانبه منتظرا انتهاء مقدمة النشرة المسائية التي تميزت بها هذه القناة. مقدمة إخبارية تفردت قناة الجديد ببثها كل ليلة بكل مفرداتها السياسية ودبابيسها النارية. مقدمة تعكس شخصية القناة والقيمين عليها ومالكها الأستاذ تحسين خياط.
سألت الأستاذ ناصر عن رأيه في العناوين النارية التي يتسم بها العقل الصحافي والإعلامي في لبنان، وإن كانت هذه العناوين سمة خاصة بالشخصية اللبنانية أم هي شخصية إعلامية بغض النظر عن الجنسية؟
اجابني وقد جعل التلفاز في حالة صمت: “ليك كل مؤسسة صحافية لها شخصية، تماما كالبشر. مثلا جريدة النهار الم تشبه غسان تويني؟ طيب والديار الا تشبه شارل أيوب؟ وماذا عن السفير وكأني أرى طلال سلمان يطل يوميا من بين صفحاتها”
“وماذا عن جريدة الأخبار؟” سألته معترضا.
أجاب مباشرة “كما قال أحد المثقفين اللبنانيين في وصفها بأنها “مجموعة صحافيين وليست صحيفة!”.
ضحكنا سويا لأكمل النقاش “ماذا عن دور قناة الجديد الإعلامي؟”.
عندها عدل ناصر جلسته وسرح بنظره ليجيب ” شوف طارق، أنا بعرف تحسين كتير منيح ومن زمان. تحسين وحش لا يهاب السلطة ولديه قناعاته. لديه الجرأة والاستقلالية”.
“وهل لأجل ذلك أقفل صديقك رفيق الحريري قناة الجديد؟” سألته بتهكم فاضح.
أجابني ناصر مبتسما وهو يحرك يده اليمنى “للحقيقة، إقفال القناة له علاقة بمرحلة من تاريخ لبنان هي مرحلة الوصاية السورية. كان تحسين من بين قلة تملك جرأة تحدي الوصاية في قضايا ومحطات عدة. إقفال القناة أنذاك كان مرتبطا بقضية بنك المدينة والتحقيق الذي قامت به القناة في هذه الفضيحة التي كان لها تأثير كبير على سمعة المصارف اللبنانية. حينها تدخلت الوصاية لتطلب من تحسين عدم بث الحلقة لأن التحقيقات وصلت الى حد معرفة حقيقة وجود علاقة عاطفية بين أحد رموز الوصاية وأحد ملاك البنك. لكن تحسين قابل الطلب بالرفض لأنه ليس من صنف من يخضعون للإملاءات، وقرر بث الحلقة مهما كان الثمن”.
“وماذا عن شخصية قناة العربية؟” سألته وأكملت سؤالي: “الحضور اللبناني فيها واضح”.
فهم الأستاذ ناصر ما أعنيه، فأجابني وهو يبتسم ” شوف عندما خرج عبد الرحمن الراشد من رئاسة تحرير جريدة الشرق الأوسط الى قناة العربية أصبحت القناة والجريدة شخص واحد في جسدين! والباقي تفاصيل”.
“وماذا عن قناة الجزيرة القطرية التي يطل منها الاستاذ هيكل؟” سألت.
“بخصوص قناة الجزيرة اسأل هيكل عنها بكرا”. قطع حوارنا عرض برنامج من قناة بي بي سي الإنجليزية يخوض في تطورات الصراع السوري، وتضمن شرحا مفصلا عن تمركز الأحزاب المسلحة في الأراضي السورية ونوعية تسليحها وتحالفاتها الإقليمية والدولية. كما بث صور القتل والتشريد للأطفال والنساء.
وعند انتهاء التقرير، سألت الأستاذ ناصر عن دور الفضائيات الإعلامية في نشر مشاهد مؤذية مرتبطة بظاهرة الإرهاب. أسهبت وقلت إن للإعلام فضل في انتشار الإرهاب من حيث يدري أو لا يدري.
أسكت ناصر جهاز التلفاز مرة أخرى ثم نظر اليّ من تحت عدسات نظارتيه قائلا “لا لا لا لا، ما فيك تلقي اللوم كله على الإعلام، الإعلام ليس كيانا واحدا، الإعلام إعلامات (حرك أصابع يده اليمنى، أي أكثر من إعلام). هناك أشخاص وسياسات ومصالح ودول، لا الموضوع مركب”.
انقطع الحوار بعدما لفت انتباه الأستاذ ناصر تأخرنا عن موعدنا مع مجموعة من أصدقائه المصريين. تحركنا نحو المطعم بالفندق نفسه. هناك، استمر النقاش على طاولة عشاء غنية بالأصدقاء حتى الفجر وكان الحاضرون يعبرون عن الاستياء من دور معظم الاعلام العربي، فضلا عن ابداء قرفهم من الوضع العربي العام.
في صباح اليوم التالي، وبينما كنا نهم للتوجه إلى مكتب الأستاذ هيكل في القاهرة، سألت ناصر في بهو الفندق: “لقد تذكرت من وحي حوارنا ليلة البارحة قصة فضيحة الاعتداءات الجنسية المرتكبة من قبل راعي أبرشية مدينة بوسطن للكاثوليك في الولايات المتحدة بحق أطفال”.
“وقتها كنت أنت هناك؟” سألني ناصر.
“كنت قد تخرجت من الجامعة حينها، لكن الفضيحة هزت العالم الكنسي والصحافي معا. هزة أخرجت الصراع الخفي حول المسؤولية الصحافية والمساءلة الوطنية إلى الملأ” أجبت ناصر ونحن نصعد معا الى السيارة.
لم أكمل الحديث في الطريق الى مكتب هيكل، بل ساد صمت ونحن نعبر شوارع القاهرة المزدحمة كالعادة. هو لم يكن يحب الكلام أثناء رحلة السيارة. وإذا كان “يكزدر” في الهايدبارك في لندن أو في رواق منزله أو في أحد الشوارع، كان يتوقف من أجل التعبير عن فكرة ما بقوة نبرته وحركات يديه. عادة، في المركبة أو الطائرة، كان يؤثر الاستماع، فما بالك مع سائق غريب يقود مركبة تتحرك في شوارع القاهرة التي تعج بالمركبات والمارة والباعة المتجولين.
وكالعادة عند الوصول الى مقصدنا، استقبلنا الأستاذ هيكل بكل ترحيب. ووجدنا أنفسنا مرتاحين في مقاعد مكتبته سريعا وهو يجلس خلف مكتبه. يسحب نفسا من سيجاره والدخان يحوم حولنا، كما من حول اللوحات والكتب والمخطوطات والأوراق الموجودة هنا وهناك.
بعد دقائق معدودة، أشعل ناصر سيجاره ودشن الكلام قائلا “ايه طارق ليش انت ساكت؟ ليست عادتك كنت عم تحكي عن فضيحة الكنيسة في أمريكا”.
سألني الأستاذ هيكل عن أي فضيحة كنت أتكلم، فقلت له عن أبرشية بوسطن. ومن باب اثارة النقاش أكملت مجيبا “هذه فضيحة اكتشفها فريق (سبوت لايت SPOT LIGHT) من صحيفة بوسطن غلوب. وهذا الفريق هو أعرق وأقدم وحدة صحافية استقصائية منذ سبعينيات القرن الماضي في أمريكا”.
“أعرق وأقدم؟ لا. لكن ما هو المثير فيها؟” سأل هيكل.
“المثير أستاذ هيكل ليس موضوع الاعتداءات الجنسية. بل في موضوع المسؤولية الوطنية والأخلاقية التي يجب أن يتحلى بها كل صحافي. في هذه القضية، وجد فريق الاستقصاء نفسه مضطرا الى التنحي امام أحداث ١١ سبتمبر في نيويورك. أو كما يقال بالإنجليزية.
DIPRIORITIZE”
أجبت ثم أكملت متسائلا “ما هو الحد الفاصل بين المسؤولية الصحافية والوطنية؟ من يحددها؟ الـشخص أم القانون؟”
أخذ الأستاذ هيكل نفسا عميقا من سيجاره، ثم حرك يده اليمنى كعادته نحو صدره ثم قال وأصابعه الطويلة السمراء تكاد تخفي وجهه “شوف حضرتك. المسؤولية مهمة مستمرة في حياة الانسان. أي انسان صحافي ام غيره. والمسؤولية تتشعب عند ترجمتها للعلاقة بين الفرد والمجتمع. هناك مسؤولية يحددها القانون. أما الأب والأم والأبن والبنت فهذه مسؤولية عائلية مثلا يحددها الأشخاص. وقد تجدها تلاشت الى الحد الأدنى عند بعض الدول الغربية. في الصحافة، رئيس التحرير هو القائد الذي يتحمل عبء هذا الدور في العمل. الصحافة تعمل في هذا الفالق (وحرك يديه وهو يلفظها بالإنجليزية). تماما كالزلازل. تصطدم قشرتان في باطن الأرض ويحدث الزلزال”.
“هل العمل الصحافي هو زلزال؟” سألت.
“لا ليس كذلك. العمل الصحافي هو الفالق بين القشرتين” أجاب هيكل.
“حسنا أستاذ هيكل، انت كنت رئيس تحرير صحيفة الأهرام. صديق ومستشار للرئيس جمال عبد الناصر ومن بعده الرئيس أنور السادات وعشت حقبة أقل ما توصف بها أنها حقبة الزلازل العربية التاريخية: احتلال فلسطين عام ٤٨م وبعدها حرب السويس عام ٥٦م ثم حرب ٦٧م وحرب الاستنزاف بين ٦٨م و٧٣م وأخرها حرب أكتوبر عام ٧٣م. في كل تلك الزلازل، الم تختلط الأدوار بين الصحافي والسياسي؟” رميت بسؤالي والأستاذ ناصر يضحك من خلف دخان سيجاره وهو يحرك يده كمروحة عندما كان يحاول ابعاد السحابة البيضاء التي تحيط به.
صمت هيكل وهو يأخذ نفسا تلو الأخر من سيجاره. صمت استمر لثوان، ثم أجاب “انت وصفت الزلازل التي حدثت في ذلك الزمن. لكنك لم تصف الصحافة التي كانت ترصد وتنتج الأخبار والأدب والثقافة والفن. الصحافة المصرية كان لها دور كبير في تلك المرحلة. كل العاملين في هذا الجسم الصحافي أنتجوا اعمالا حازت على تقدير عالمي. بص (شوف) الحروب والتحديات تؤدي إلى خلط في الادوار ولكنها تنتج الإبداع أيضا”.
“لكن عهد الرئيس عبد الناصر اتسم بالكثير من تدخل الدولة في الصحافة والإعلام. وعهد السادات وصل فيه التدخل إلى حده الأعلى، الم يكن هذا خلط في الأدوار؟” قابلت إجابة هيكل بإصرار بينما بقي ناصر منصتا للحديث.
“غير دقيق هذا الكلام. ثلاثية نجيب محفوظ (القصرين وقصر الشوق والسكرية) منشورة في الخمسينيات. أولاد حارتنا مكتوبة ومنشورة كسلسلة في الأهرام في الخمسينيات أيضا. أي في عهد عبد الناصر. أعمال جعلت صاحبها يفوز بجائزة نوبل للأداب عام ٨٨م. أيضا أعمال انتقد فيها نجيب محفوظ حكم عبد الناصر كلها نشرت في عهد عبد الناصر ومنها دنيا الله واللص والكذاب وثرثرة على النيل”، أجاب هيكل.
“ثرثرة على النيل هي الرواية التي تكلم فيها نجيب محفوظ عن الهزيمة القادمة، أليس كذلك؟” سألت.
“قرأت هذه الرواية ونشرتها من دون الرجوع الى نجيب أو حتى مناقشته فيها” أجابني هيكل.
“لكن العمل الذي اثار العديد من اللغط والقضايا وتسبب بغضب عبد الناصر هو “بنك القلق” لتوفيق الحكيم صحيح؟” سألت.
“الذي غضب هو عبد الحكيم عامر واتصل بعد الناصر مشتكيا. كانت رواية توفيق تنتقد دور المخابرات المصرية. وعندما بدأنا بنشرها وبعد حلقة واحدة فقط، اتصل بي الريس (عبد الناصر) وقال لي إن عبد الحكيم متضايق جدا من النص. اتصلت بعبد الحكيم عامر فوجدته شديد الغضب. ثم طلب الريس أن اجتمع بعبد الحكيم. هنا اريد أن اذكر أن توفيق الحكيم قدم لي هذه الرواية متصورا انها لن تنشر قائلا انه يجرب شيئا جديدا في الكتابة” أجاب هيكل شارحا الوقائع.
“وماذا قلت لتوفيق الحكيم؟” سألته.
“قلت له اسمع يا توفيق إذا كان لديك شجاعة الكتابة فستكون لدي شجاعة النشر” أجاب هيكل لتتجدد حالة الصمت في مكتبه قرب النيل الهادر.
هنا تدخلت كاسرا حاجز الصمت سائلا “أستاذ هيكل ماذا عن دور قناة الجزيرة؟ انت كنت تطل منها بحلقاتك الأسبوعية، قناة اختلط دورها الإعلامي بالسياسي مع بداية ظهور الربيع العربي، ما أدى الى موجة من الاستقالات من العاملين فيها، هل هكذا يقال في وصفها”.
“أنا قبلت عرض الجزيرة من بين عروض أخرى من فضائيات عربية. ووقع اختياري عليها بالرغم من تحفظاتي المتعلقة بموضوع التطبيع مع إسرائيل واستضافة معلقين منها” اجاب هيكل.
ساد الصمت مرة ثالثة.
ثم ومن بين سحب الدخان المتحلقة حولنا وفوقنا، سألني مصطفى ناصر “طارق لم تكمل ماذا حصل بالقس الأمريكي المتهم؟”.
ضحك الاستاذ هيكل ومعه ناصر فأجبتهم “كانت هناك شجاعة النشر من قبل رئيس تحرير صحيفة بوسطن غلوب. ومسؤولية وطنية من قبل هيئة التحرير حين تعرضت أمريكا لأكبر عمل عدائي (11 أيلول/ سبتمبر، منذ عملية بيرل هاربر اليابانية. والقس تمت ادانته أمام الرأي العام مما أدى الى استقالته كراعي لأبرشية كنيسة بوسطن. لكن ما جرى كان له وقع أكبر على المجتمع حين كشف ان كنيسة الفاتيكان كانت على علم بتعديات هذا القس منذ عقود. والأدهى أنه من بعد نشر هذه القصة، تمت مكافأة القس بترقيته الى كاردينال لبازيليك سانتا ماريا ماجوري في روما!”.
عندها علق ناصر “يبدو أنه في الغرب تختلط الأدوا أكثر منها عندنا” وضحك الرجلان لمعرفتهما اللصيقة بالعلاقة بين الاعلام والسياسة.
استمرت الأحداث الدامية في العالم العربي، واستمر الإعلام في تغطيتها إلى حين صدور قرار (من مكان ما) كالوحي يقضي بمنع بث ونقل الأحداث المروعة. قرار يشي بأن الأدوار تختلط بين المثقف والمجاهد والصحافي والثوري. أدركت ان الشجاعة لا تقي شر الرقيب إذا غضب أو بدل سياسته.
من صفحات الجورنالجي وكاتم الأسرار: محمد حسنين هيكل ومصطفى ناصر
![]()
