لنتفق أولاً؛ لبنان ليس لغزاً أو عليه شيفرة لازمة لفهمه. أصلا لبنان هو بلد الأسرار «المفشية»، الكل يعرف والكل يتكلم ومن دون حدود، لربما هي آفة الحرية المطلقة، أو كما كان يقول الرئيس سليم الحص أن «في هذا البلد الكثير من الحرية والقليل من الديموقراطية”
ولنتفق ثانية؛ لبنان بلد مركب، كل حدث فيه مسيس، يكفي إضافة كلمة سياسة بعد أي مفردة، مثلا: طائفية سياسية، وآمن سياسي، ومارونية سياسية، وحريرية سياسية، واقتصاد سياسي، واتهام سياسي وهكذا. ولفهم طبيعته المتقلبة في السياسة تحديداً علينا فك طبقات كثيرة للغوص في لب الموضوع، وفي معظم الأحيان يكون الحدث أسرع من عملية التفكيك أو التحليل، ليصاب المتابع بالضجر أو الإرهاق أو كلاهما.
صحيح التفاصيل كثيرة، والماضي المخضب بالدم يطل مع كل حدث وفي كل موسم انتخابي، لكن العقل الأكاديمي والصحافي يختلف عن العقل الدبلوماسي، العقل الدبلوماسي لا يملك رفاهية الأكاديمي ولا حرية الحركة لدى الصحافي، وفي بلد السياسة فيه تتغير أكثر من أحوال الطقس، المرونة في الاستيعاب والاستنتاج أمر أساس.
فتش إذاً عن السياسة.
بمعنى أنه على الدبلوماسي العامل في هذا البلد التفريق بين الخبريات والمعلومات، بين المصالح والعقائد، وبين المعارف والأصحاب والأصدقاء والحلفاء. نعم، لكل منهم وظيفة وعلاقة ولغة خاصة، فما بالك مع الأخصام! عليه، أي الدبلوماسي، ألا يغرق في التفاصيل، وفي الوقت نفسه تجنب السطحية في العوم. هنا أضع تسع نقاط أساسية تكون الدليل لاستيعاب حدث سياسي ما في لبنان، تسع نقاط يمكن الاتكاء عليها لاستنتاج تداعيات الحدث نفسه:
1- التدخل الخارجي حقيقي. لطالما كان لبنان جاذبا لتدخل الدول الخارجية، وعلى هذا الأساس تتصرف الأحزاب السياسية، طبعا بسبب نظام المحاصصة الطائفية المتبع، لا شيء يدعو للاستغراب، القاعدة هو التدخل، وإذا صنع شيء في لبنان فاعرف أنه الاستثناء.
2- دائما هناك سلاح غير شرعي، والسلاح واقتناؤه ثقافة عامة قبل أن تكون قضية سياسية، ودور السلاح واستخدامه لتحقيق مكاسب في السلطة عمل ممارس ومتفق عليه بحسب موقع كل فريق وليس بحسب قرارات الحكومة. ما ينظم السلاح ووظيفته ليس الموقف الإعلامي منه أو حتى القرار الدولي، بل ادخال أصحاب السلاح في الممارسة السياسية للبلد عن طريق الحوار، أي على طريقة الرئيس الراحل رفيق الحريري.
3- تعلم الجغرافيا وليس الطوائف؛ فاللبناني شخصية وليس هوية فقط، وأكثر من عبر عن ذلك بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني عند زيارته، واصفا البلد بالرسالة، ومعروف أيضا أن ابن الجبل غير ابن الساحل بالطباع، وأهل الجنوب غير أهل الشمال في المزاج، ولو جمعهم المذهب أو الدين. الجغرافيا أولا.
4- التوازنات ثم التوازنات ثم التوازنات ثم العدد؛ فلبنان بلد التوازنات بامتياز، ولا يمكن تعيين أو تقرير بند في الدولة من دونه، لا بل أوسع من ذلك؛ تتعامل الدول الخارجية مع لبنان من هذا المنطلق، لما لها من ثقل كبير في تركيبة النظام، هذا لا يعني اهمال العدد، راقبه جيدا، لكنه أقل تأثير، حتى إن كان حليفك يملك أكبر عدد من الأعضاء في المجلس النيابي أو الوزاري؛ فالأكثرية لا تحكم، التوازن هو الحاكم بأمره.
5- الدولة ثانوية لكن البلد مهم. نعم، الفساد مستشري في شريان الدولة، وبغض النظر عن الموقع السياسي، فإن مبدأ تقديم خدمات لقاء أجر مقبول اجتماعيا على نطاق واسع، والهيبة المرادفة للدولة تتعرض للانتقاص باستمرار، خاصة من دعاة السيادة والاستقلال، لكن لا تنخدع، هذه الصورة لا تنسحب على البلد نفسه، لبنان البلد شيء، ولبنان الرسمي شيء آخر، هناك خيط رفيع يعبر عنه هذا البلد اسمه التوازنات، راجع النقطة أربعة.
6- لا ثابت إلا المتحول. والمقصود هو عنوان التحالفات السياسية وليس تبدل مواقف السياسيين أو تصريحات بعضهم المثيرة، بمعنى أن كل المحاور لها تاريخ ميلاد وانتهاء صلاحية، وإذا راجعنا التاريخ الحديث للبنان منذ الاستقلال سنجد عناوين عدة، على سبيل المثال، النهج بمقابل الحلف (عهد الرئيسين فؤاد شهاب وشارل حلو)، ثم الانعزالية بمقابل التقدمية (فترة السبعينات من القرن الماضي)، لتتحول بعدها إلى حركة وطنية (الفلسطينيين واليسار)، ومقاومة لبنانية (حزبي القوات اللبنانية والكتائب يومها)، ثم تحولت إلى فريقين بعد اتفاق الطائف عام1989 إلى مع الوصاية السورية وضدها، لتتحول أخيرا إلى 14 آذار و8 آذار، ولكل من يدّعي الثبات على الموقف ذكره بمراجعة تاريخ انتهاء الصلاحية.
7- أقرأ اتفاق الطائف كلبناني. بمعنى آخر، أن اللبناني سيقرأ الاتفاق من ناحية الممارسة السياسية وليس النصوص المكتوبة، فاتفاق الوفاق الوطني، وهذا اسمه الحقيقي، أخرج الصراع من الشارع وإلى الدولة عام 1989، وتم تنفيذه بالتدخل الخارجي عام 1990 (يوم قصف الطيران السوري قصر الرئاسة في بعبدا)، وتفعيله عن طريق منظومة موازية لأجهزة الدولة الرسمية، منظومة لم يستطع قرار دولي رقمه 1559 من الغائها، تذكر: الممارسة والعرف ثم النصوص والدستور.
8- الهرم في السلطة مقلوب، ونجاح الحلفاء في الانتخابات لا يعني نجاحك. فحق الفيتو (النقض) يملكه الجميع، حق الميثاقية والمناصفة والحقيقة وغيرهم (الثلث المعطل أو الضامن في الوزارة)، لأجل ذلك يستحق لبنان لقب الديمقراطية التوافقية بجدارة وتفوق، أي أنه يستخدم الانتخابات للتمثيل في السلطة ثم مهارات حوارية لممارسة السلطة، لأن الهرم مقلوب.
9- بيروت عاصمة المعلومات في منطقتنا. وتصريحات الأحزاب اللبنانية في صحافتها وإعلامها يمكن اعتباره مؤشرا لتطورات محلية واقليمية، وعلى هذا المنوال تتعاطى كل الدول مع الصحافيين والإعلاميين في هذا البلد، لذلك متابعة الصحافة والإعلام فرض عين، فكلام الجرائد والبرامج الإعلامية يحمل معاني كثيرة، والسقف المرتفع جدا للنشر يسمح بطباعة أي عنوان أو مقالة، ويسمح بالمقابل تدوير الكثير من الأخبار بين السطور. لعله القطاع اللبناني الوحيد الذي يمرض ولا يموت، حتى وإن أقفلت كل الصحف وحجبت كل القنوات الإعلامية. نصل إلى أنه يسأل البعض مرارا عن الأحوال في لبنان، تحديدا عن الأوضاع الأمنية فيها، طبعا الإجابة المباشرة تفتح الباب لنقاش واسع، لكن عند الضرورة وعلى طريقة بعض السياسيين اللبنانيين، يمكن استخدام أسلوب إجابة السؤال بسؤال، بمعنى إذا كان السؤال هل الوضع في بيروت خطر؟ يكون الجواب منذ متى كانت في أمان؟ والعكس صحيح، لحين استدراك احدهم الحيلة، فيتحول بعدها السؤال إلى كيف يمكن التنبؤ أو التحليل بما يحصل في هذا البلد؟ عندها تذكر النقاط أعلاه.
![]()
