اتصل بي صديقي يذكّرني بلقاء الأربعاء الأسبوعي، قائلاً: الليلة هنالك جلسة يحبها قلبك، سيزورنا صاحبك من الرياض. وعندما سألته عمّن يقصد، أجابني بأنه صاحبنا الذي يحترف عالم المال والاستثمار والذي يعيش في العاصمة، التي إلى كونها عاصمة المملكة، صارت عاصمة التحوّل الكبير. التقينا حول طاولة مستديرة. فناجين القهوة وحبات التمر تدور بيننا. قرّر عريف الاجتماع، وهو صاحب البيت طبعاً، الجلوس خارج الخيمة. إنها بداية فصل الربيع القصير العمر. لم نعترض. وافقنا سريعاً. وافتتح العريف الحوار سائلاً الزائر من الرياض عن العاصمة وأحوالها. ذهب الصديق يصف وتيرة التغيير الحاصلة في قطاعات الدولة. كيف أن القطاع العام أصبح يستقطب كفاءات في المناصب القيادية، وأن برامج متكاملة تقود الوزارة لا أشخاصاً ووعوداً، مضيفاً أن فوق كل برنامج ومسؤول عملية تقييم دورية لتنفيذ الخطط، عملية تقيّم أداء المسوؤل والنتائج، أو كما يقول الأمريكيين: شيكس إند بالنسس. ومضى في شرح التغيّر في حركة العمل، وكيف أن هناك عزيمة وإصراراً على الإنجاز، وبأسرع وقت، وأن الطموحات كبيرة بحجم الجبال، ويبقى الوقت العامل الوحيد الذي لا يملكونه، وهو العامل الذي يمكن التحكم به بمضاعفة عدد الأفراد. قاطعت سيل الكلام بملاحظة اعتراضية: كلنا نعلم أن مدة حمل المرأة هي تسعة أشهر، يعني حتى لو جئنا بتسع نساء فكل واحدة منهن تحتاج تسعة أشهر للولادة، وعلينا التفريق بين الوقت والتوقيت. اتفق الصديق معي. وشرح أنه لا يشك في أزمة نقص الكوادر السعودية، مضيفاً أن هناك برنامجاً زمنياً لكل خطوة ومرحلة من الرؤية. ثم نقل الحوار إلى تجارب ولقاءات له مع بعض الجهات الحكومية، مستدلاً بتعيين عدد ممن عمل معهم في الموقع المناسب.
وبينما هو يهم في أخذ حبة تمر، توجّه بسؤال للجميع: ما رايكم بالرؤية 2030؟ حاولت الالتفاف على السؤال مشغلاً نفسي بالهاتف المحمول، ذلك أنني لم أقرأ برنامج الرؤية كاملاً، غير أن العريف كان بالمرصاد، وتوجّه إلي مباشرة طالباً التعليق. الموضوع هنا مركب، قلت. نحن أمام رؤية. وصحيح أنها، أي الرؤية، لا تغطي كل المجالات وذلك لأنها ببساطة رؤية! لكن هنا القيمة. في السابق، كنا نشتكي من غياب المشروع، غياب مادة يمكن مناقشتها نقداً أو مدحاً. أما اليوم، فقد انتقلنا من حالة الركود إلى النقاش وهذا، كما يصفه المثقفون، تغيير نوعي في التفكير. والحديث هنا أيضاً مركّب. تختلط فيه المشاعر بالمنطق. فالرؤية وتوابعها تضعنا في حالة سيكولوجية فاقدة للتوازن. وأمام هذه الحالة، لا يمكن الركون للطرق التقليدية في التحليل. من جهة، كنا نعيش من دون قيادة المرأة للسيارة واليوم قيادتها مباحة. صدقني هناك فئات في المجتمع علينا حضنها وحضن نفسيتها للعبور إلى أهداف الرؤية.
قيمة أخرى
كل ما جرى في السنوات الخمس عشرة الماضية، وتحديداً في السياسة يحتاج إلى طريقة التفكير المبتكر. التفكير خارج الصندوق. وهو ما عوّدنا عليه الأمير محمد بن سلمان. وإذا نظرنا من هذه الزاوية لا يمكن الاستنتاج أو التنظير من دون فهم الواقع الجديد. بمعنى أننا في عام 2030، نعرف كيف نريد أن نكون، لكن هل نعرف كيف سيكون شكل المنطقة التي نعيش فيها؟ فالسؤال هو أين رؤية 2030 السياسية؟ والرؤية فتحت الباب لمناقشة هذه الخريطة الجديدة. حسناً، للاقتراب من الموضوع، علينا الرجوع قليلاً إلى الوراء، إلى التاريخ. لا شيء يمكن أن يؤطر أي نظرة مستقبلية من دون فهم عميق للمكون التاريخي. والسياسة خصوصاً تُخاصم مَن يُسقط عامل الجغرافيا من حساباته أو خططه المستقبلية. لذا قصة الجزيرة العربية وموقعها مهم، وقليل من التاريخ وقليل من الجغرافيا لن يضرّا.
صفر مشكلات
في العصر الجاهلي، وقبل الإسلام، حكمت الجزيرة العربية أربع قبائل رئيسة. كانت لها إدارة شؤون المنطقة من بين باقي العرب: تميم في نجد كانت لها سيطرة على بلاد العارض واليمامة (عالية نجد وسافلها، منطقة الرياض وما حولها من القصيم وإقليم الوشم وحتى الخرج)؛ وأسد في الشمال، وهم غير أسد بن ربيعة الفرس بل أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر والتي ساقها الطموح لتشكل ما سُمّى بالحلف الأعظم وسكنت في جبال أجا وسلمى (منطقة حائل). أما الثالثة فهي قيس عيلان المضرية، وكل ما تناسل من عامرها وغطفانها وهوازنها، عبس وذبيان وشيبان وهلال وسليم وغيرهم (في العصر الحديث هم قبائل حرب وعتيبة وسبيع وسليم ومطير وغيرهم)؛ والأخيرة هي قريش في مكة، وقريش اسمه النضر ولُقّب بقريش من التقريش دلالة على القوة، وهي قبيلة عربية كنانية مضرية استقرت في مكة يوم جمعها قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. وإذا كبّرنا الصورة إلى الأطراف، وعلى تخوم الجزيرة تحديداً، سنجد ثلاث قوى إقليمية تحيطها، ولكل منها رافعة عظمى تدور في فلكها ونفوذها السياسي. دولة المناذرة في الحيرة (العراق اليوم) تتبع الفرس؛ والغساسنة في الشام تتبع لبيزنطية؛ وفي جنوب الجزيرة اليمن دولة حمير التي قاومت حتى تم إخضاعها للحبشة.
![]()
