المهنة الآثمة: المقال اللامقال، الصحف اللاصحف

المهنة الآثمة: المقال اللامَقال، الصحف اللاصحف

رجل أعمال وكاتب سعودي

كتبت منذ سنة أن الصحافة الورقية، بما تشكل من قيمة معرفية وثقافية وحضارية، باقية ولن تموت، غير أنني شعرت في الآونة الأخيرة بكثير من التردد أثناء ممارستي عادة قراءة الصحف اليومية، وهي عادة عفوية إكتسبتها منذ سنوات طويلة. 

مع كل صباح، تبدأ رحلة قارئ يبحث عن الأخبار، ولكنه يجد نفسه أسير حيرة وتردد. لقد بات عنصر المتعة والجذب شبه مفقود. لنقل بشكل أوضح أنني في مواجهة روتين القراءة، يتملكني شعور بفقدان توازني: أريد قراءة الصحف، وفي الوقت نفسه، أريد التوقف عن ممارسة تلك العادة اليومية التلقائية.

نعم، خلال هذه السنة، لاحظت أن مقالات كثيرة لا تقدم لي فكرة جديدة أو مادة صحافية جذابة من أي نوع كانت، لكأن علاقتي بالصحف هي مجرد طقس من الطقوس التي ندمن عليها. رؤساء تحرير من دون حد أدنى من أخلاقيات المهنة. صحافيون يكتبون لأجل الكتابة، وطبعا الكثير من الأخبار من دون مصدر واضح. طغيان فاضح للعامود الصحافي (الرأي) وغياب كامل لصحافة الاستقصاء والبحث، ناهيك عن الإفتقاد للغة العربية الجميلة التي لطالما ميزت أقلام بعض كبار الصحافيين في العالم العربي، حتى أن الأخطاء الشائعة صارت هي القاعدة، طالما ليس هناك من يدقق أو يصحح أو يتعب على نصه.

تحضر أمامي مقولة قرأتها ذات يوم إن “الصحف غير قادرة على التمييز بين حادثة دراجة وانهيار حضارة!”.

جملة تختزل واقع الصحافة العربية يحاول أن يتنصل منها قارئ ممتلئ قناعة أن الصحف الورقية باقية الى ما بعد بعد التطور التكنولوجي الذي نعلم كلنا أنه تطور بلا حدود، لكأنني مصاب بمتلازمة استوكهولم، وهي نظرية تصف حالة وقوع المخطوف في حب خاطفه. لذلك، لا بد من مراجعة ذاتية، وصولا إلى طرح أسئلة من نوع كيف أقرأ؟ ولمن أقرأ؟ لعلني أفك سحر هذه العادة وأخرج من أسري الطوعي.

أسئلة وجدت بعضها في كتاب صدر في بيروت مؤخرا بعنوان “المهنة الآثمة” للصحافي أولا والمفكر ثانيا جهاد الزين، ويضمنه تجربته الشخصية في مهنة الصحافة وتحديدا كتابة المقال السياسي. يقدم الزين مكاشفة داخلية بكل شفافية، ونقدا إيجابيا يبدأ من العنوان الصادم (الزين بارع في هكذا عناوين)، مرورا بعلاقة القلم بالسلطة ووصولا الى ابتكاراته التوصيفية المعروف بها. 

يستطرد الزين في كتابه مجيبا على سؤال: كيف أقرأ؟ ويرى أن هناك “مقالين” لكل كاتب، عازيا ذلك إلى العلاقة بين صاحب السلطة وبين صاحب القلم. فحين يدير صاحب النص محركات قلمه، تدور معركة في رأسه، أقرب ما تكون الى سجال بين شخصين يخرجان عند كل جولة بتوافق على حروف الكلام وبنصين مختلفين، الأول ظاهر والثاني مستتر. فيرتاح ضمير الكاتب مؤمنا بكل ما كتب من دون كتابة كل ما يؤمن به!

وعلى جاري توصيفات الزين المبتكرة، أطلق توصيف “المقال اللامَقال” في معرض نقد النصوص الخالية من أي دسم فكري والتي لا تحتوي اقتراحا أو معلومة. مقالات تصبح مهمتها تعبئة فراغ ورقي لا ملء تطلب ذهني. نوع من الكتابة يضعه الزين في خانة “الخدعة المهنية” و”التفاهة المريحة”. هنا يعزو الكاتب هذا النوع من المقالات الى غياب المعلومة لصاحب القلم أو دليل نقصان معرفة، وفي أحيان كثيرة، يكون الهدف إرضاء الرقيب. 

خواء فكري وثقافي تحاول بعض الصحف تعويضه باهتمام مبالغ به بشكل المطبوعة على حساب المضمون، وهو تماما ما أشكو منه عند ممارسة قراءة الصحف. لربما أصبح الكثير من صحف اليوم على هذا المذهب: الصحف اللاصحف.

بعدها يغوص الزين بعيدا في السؤال المحير: لمن أقرأ؟

لعلني أفترِض أن الكاتب اللبناني العريق يستند في إجابته إلى قاعدة بسيطة معبرة فيها كثير من التعميم الإيجابي، وهي أنه ربما لا فرق بين كاتب كبير وكاتب تافه. الفرق هو في سقف الحريات والتعبير. فمتى تدنّى هذا السقف في المجتمع سادت الآثار الأثمة لهذه المهنة (يقصد مهنة كتابة المقال السياسي أو مهنة الصحافة ككل لك حرية الاختيار). مدعيا أن الإرهاب الفكري الاجتماعي أكبر مصدر خطر على ديباجة المقالات. فتنتشر الازدواجية وتصبح مقبولة للنشر.

قد يدعي البعض أنني أبالغ في مقاربة انحدار مستوى الصحافة والصحافيين. إدعاء ربما يكون محقا وربما لا. حسنا، لكم رأيكم ولي رأيي. ثمة اتفاق على أن البوصلة الصحافية ليست بخير.

قد أستطيع إقناعكم وإقناع نفسي بأنها مرحلة وتزول. علما أن الزين ينتمي الى قلة تجد أن اقتراب الصحافي من هرم السلطة لا يعني السلطة نفسها. وهو من الأشخاص الذين خبروا بحكم عمله الطويل في بلده لبنان أن صاحب القلم يبقى بينما صاحب السلطة يتنحى. 

ختاما، السياسة والصحافة شريكان. تتراجع السياسة فتتراجع الصحافة. تمرض السياسة فتمرض المهنة ولكنها لا تموت. 

¶ “المهنة الآثمة – نقد تجربتي في الكتابة السياسية” – جهاد الزين – منشورات “رياض الريس للكتب والنشر”

– 320 صفحة

Loading

اترك رد

اكتشاف المزيد من طارق فريد زيدان

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading