البحر أولاً، لفترة ثانية يتربع باراك أوباما على كرسي الرئاسة، إذ يجد نفسه أمام عهد مجبر فيه على مواجهة تحديات عنيدة، من الطبيعي أن يواجه أوباما هذه التحديات بكل الإمكانات والطاقات المتاحة لرئيس قوة عظمى، إلا أن التحدي الأكبر هو استخدام تلك الأدوات من عسكرية وديبلوماسية. حتى الخطابة والكاريزما الأوبامية تنحسر أمام حجم تحدي توظيف القوة، أمام تحدٍ لطالما جعل من زعماء كثر أسرى الرغبة في استخدام القوة والهيبة معاً، والقوة أصلاً مرتبطة بالشخصية، والانطباعات الدولية مهمة في ممارستها، اليوم الانطباع العام يميل إلى مبالغة واشنطن في تقدير قوتها الحقيقية، عندها يخضع البعض لأحكامها، إذ تصبح الدول العظمى أسيرة قوتها.
في المكتب البيضاوي يجلس أوباما وعيناه على الخريطة، يبحث عن منافذ وعن تحولات تفك أسره، إلى أن تركة سلفه ثقيلة، أراد جورج بوش الابن أن يصنع التاريخ وأن يدخل أميركا والعالم في عصر جديد، فشل بوش الابن في الأولى ونجح في الثانية، فليس مصادفة أن أميركا والعالم كله ربما يدخل عصراً جديداً، عصر فيه كلفة صناعة القرارات أكبر مما تستوعبه الخزانة، لا بل إن «العصر الأميركي» لم يعد قيمة مضافة في دورها، وإنما تجاوز هذا الدور إلى حدود الخاصرة الرخوة.
في البيت الأبيض ينام ويفيق أوباما وأمامه مشهد أصبح حقيقة، أمام واقع يناقض تماماً المقولة الشهيرة للرئيس المصري أنور السادات «أميركا تمسك في يدها بـ99 في المئة من أوراق الحل»، يستنتج الرئيس باراك حسين أوباما أن حركة التاريخ أعظم من أن تكون أوراق شدّه، والـ99 في المئة تتناقص بيد أميركا كتناقص أرقام البورصة عندما تتدحرج.
فما الذي حصل؟
بمجرد التفكير بأن أميركا لم تعد القوى الأعظم تطل علينا الأرقام والدراسات الراهنة، مشيرة إلى أنها ما زالت قادرة على قيادة العالم، سياسياً ودعائياً على الأقل، لكن الأزمتين السورية والأوكرانية أثبتتا عكس ذلك، أزمتان أظهرتا حاجة واشنطن إلى أكثر من المؤشرات الرقمية لضمان استمرارها كروما العصر، تأهب أميركي لضربة عسكرية ضد سورية تنتهي باتفاق وبرعاية دولية، عقوبات اقتصادية على موسكو لإبعادها عن كييف، تدفع أوكرانيا الثمن وتقضم روسيا القرم، من الواضح أن التحولات تطورت إلى مرحلة لم يعد ممكناً الركون إلى مقاربات تقليدية، لا بد إذاً أن ننتقل في نظرنا إلى «صورة الحركة» للدور الأميركي في الأعوام الماضية، استناداً إلى ذلك وانطلاقاً منه يجب إذاً النظر إلى الدور الطبيعي لأميركا، وليس الدور الذي نريده نحن، الدور الذي يمليه عليها أكبر ديكتاتور في التاريخ: الجغرافيا.
حذّر المفكر الاستراتيجي الأميركي والتر ليبمان من غوص الولايات المتحدة في حروب على البر الآسيوي، في تقديره أن أميركا دولة «بحر» وليست دولة «بر»، شبه جزيرة مطلة على محيطين، الأطلسي شرقاً والهادئ غرباً، يستطرد ليبمان بأن المدى الشرقي آمن بارتكازه على البر الأوروبي الحليف، أما غرباً فهناك تهديد يتربص، محيط هادئ مكشوف على شاطئ آسيوي متفجر، القارة التي تحمل كيانات منافسة لشبه الجزيرة الأميركية كاليابان والصين، على رغم مزايا المحيطين في العزل كخط دفاع أول عن قلب أميركا، ففي الوقت ذاته يشكلان هوية جغرافية طاغية سياسياً في العقل الأميركي، فالهوية البحرية وخصوصاً الهوية الأطلسية من أبرز خصالها أنها تفيض بالطموح، وإذا ما قوبلت بتحد تكون عنصراً قابلاً للجموح، وهو ما حذر منه ليبمان في رؤيته: عدم مواجهة واشنطن أي تهديد أو منافسة في حروب على البر الآسيوي، عندها أية قوات أميركية تنزل في القارة ستكون رهينة لحلفاء الأمس.
إلا أن غرور القوة أوقعت أميركا في المحظور، ففي 2001 اندفعت كل طاقات الإمبراطورية واحتلت أفغانستان، وتكررت الخطيئة بحسب ليبمان باحتلال العراق في 2003، عندها احتدمت المنافسة على المسرح الدولي، وأصبح قانون التداخل والتعارض عنوان كل الأزمات، سلسلة من الأحداث والحروب الصغيرة (الحرب بالوكالة)، النتيجة واحدة نقلت أميركا معركة السيطرة على العالم إلى ما وراء البحار.
بعد مرور أكثر من 13 عاماً ما زالت واشنطن تجاهد لسحب قواتها من كابول بأقل الأثمان، الاستراتيجية طبعاً، في حين تمارس إيران وروسيا أكبر عملية ابتزاز سياسي في القرن الـ21، ففي قمة الحشد العسكري الأميركي لضرب سورية صيف 2013 يستحضر زعيم لبناني لقائه بمسؤول روسي رفيع متخصص بشؤون الشرق الأوسط، وباستحالة السير بالعمل العسكري، ويعزو ذلك للمسؤول الروسي: «بعد اليوم لا عمل عسكرياً أميركياً في الشرق الأوسط من دون موافقة روسيا»، يستفسر دولة الرئيس عن السبب ليجد الجواب حاضراً: «واشنطن تفاوض موسكو لسحب قواتها من أفغانستان، روسيا هي الممر الإلزامي للحياة، مؤن ووقود وحتى النقل».
ربما تكون قراءة ليبمان غير شاملة للوقائع في رأي البعض، إلا أن الأكيد أن الهوية البحرية مفتاح أميركا للزعامة، ولعل أكبر دليل لهذا المنطق هي المراجعة الاستراتيجية للدور الأميركي مطلع 2012 بعنوان: «استدامة القيادة الأميركية العالمية»، استراتيجية أول من أفصح عنها وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا، وأطلق عليها اسم «الانعطاف»، إذ تحوّل واشنطن تركيزها من الشرق الأوسط وأفغانستان إلى الصين وجنوب آسيا، من بعدها توالت سلسلة من التصريحات عن الاستراتيجية الجديدة من مسؤولين في الإدارة الأميركية، آخرها كلمة أوباما في كلية «ويست بوينت» قبل فترة بسيطة، إذ أعاد تأكيد عدم تدخل أميركا عسكرياً في حروب خارجية، أي بمعنى آخر تسعى واشنطن إلى استبدال وجودها الجغرافي في أفغانستان والعراق بوجود سياسي عن طريق توازنات جديدة، التطورات العراقية الأخيرة وتصريحات البيت الأبيض الموازية خير دليل للتغير في الحركة الأميركية.
يذكر أن حركة الدور الأميركي من خلال السياق هي عملية رجوع إلى الأصل وليس تراجعاً منه، سعي دؤوب للنفوذ بدل التدخل.
في الوقت الذي نسلّم به بأن ما حصل تحوّل تاريخي كبير، إلا أن التحفظ واجب في متابعة الصراع، لا يستطيع أحد أن يدعي أن التغيير أصبح مادة لتحقيق أهداف يمكن الاعتماد عليها في موازين القوى، ما زالت هناك مراحل ينبغي بلوغها، وقائع لا يمكن تجاهلها بعناوين مثل: «المقاومة والممانعة» أو حتى «الاعتدال العربي»، بينما يصرّ البعض على استخدام الأرقام لقراءة التحولات في الدور الأميركي، يبدو جلياً أن التغيير أصبح على مستوى الأدوار والأولويات، سباق لحجز المواقع والموارد في صراع يعيد إلى الأذهان الحرب الباردة، فبعيداً عن الثنائية الخطابية التي موّلت الحرب الباردة، ولحسم الجدل الجديد القديم أيضاً، سيئات أميركا الكثيرة بحجم حسناتها.
نصل إلى أنه كيفما قلّب أوباما الخريطة على مكتبه فهناك صراعات محتملة مع قوى صاعدة، وعلى رغم كثافة التحولات في منطقتنا تبقى الجغرافيا ثابتة، فمنطقة الشرق الأوسط ستظل محور الحركة السياسية لأوباما وللعالم، أو كما يصفها مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبينغو بريجينسكي: «أحد الجسور القارية»، لذا سيجد أوباما من يهمس في أذنيه: أهمية الشرق الأوسط في موقعه على البحار وليس في ربيع بره فقط، البحر أميركي والبر عالمي.
![]()
