Site icon طارق فريد زيدان

وزارة الخارجية السعودية: دبلوماسية تحت المجهر

وزارة الخارجية السعودية: دبلوماسية تحت المجهر

(*) طارق زيدان 

لا يملك سفير سعودي متقاعد عند حديثه عن وزارة الخارجية السعودية إلا الرجوع بذاكرته وتجربته مع أحد كبار رجال الدبلوماسية السعودية.  يشرح وعيناه يملأهما البريق كيف توجه، وهو شاب متحمس، الى مديره، لعرض تقريره عن موضوع أوكل به، فما كان من رئيسه إلا أن أشاح بالملف جانبا صارخا “إيش هذا؟ “، ليكمل بلغة استفزازية “هذا معروض وليس تقريرا دبلوماسيا!”

يتابع السفير المتقاعد إفراغ بعض مخزون ذاكرته ـ تجربته في وزارته العزيزة إلى قلبه، وهو الجالس بأريحية بادية على كرسيه الجلدي الوفير وسط مكتبته الغنية بالكتب والملفات والوثائق. عند كل مفصل من شريط الذكريات، يستعيد بحسرة ما يسميها الحقبة الذهبية لوزارة الخارجية السعودية، يوم كان لها وهج وشعاع فوق هام السحب. سفرات ومفاوضات واستحقاقات لا تحصى ولا تعد، وساعات وأيام لا تتكرر. في كل لمحة وذكرى يستعيد الرجل مقولة الشاعر “حلو الليالي توارى مثل الأحلام“.

قد يتفق كثر من قدامى منسوبي الخارجية، في يومنا هذا، مع نعي السفير العتيق للزمن الجميل، زمن الرصانة والكياسة والكلمة الأنيقة والثقافة الواسعة والكاريزماتية في العمل الدبلوماسي، والأهم من ذلكأن وزارة الخارجية السعودية قد فقدت أهم عناصر قوتها: الجاذبية.  

يكمل السفير المتقاعد أن الوزارة اليوم هي وزارة عادية لا تصنع خبرا أو موقفا، ولا تؤثر في مجرى الأحداث ولا تسهم في خلق كوادر جديدة ولا تترك بصمتها في المحافل الإقليمية والدولية. هي وزارة عادية بلا جاذبية.

هذا التوصيف بلسان مخضرم في المهنة، يدفعنا للاعتراف أيضا بأن ما تمر بها وزارة الخارجية، اليوم، ليس من صلب نسيجها ولا من صنع أيديها، لا بل أن هذه الوزارة التي عملت طوال عقود بمهنية استثنائية، استطاعت في محطات مفصلية التأقلم والتطور، برغم مزاجية البيروقراطية المتسلطة وهي ظاهرة غير محلية وحسب. 

لا شك بأن هناك أزمات عديدة تواجهها وزارات الخارجية في العالم بأسره وبطبيعة الحال في بلدنا، وهي أزمات تترك تأثيرها، أفقيا وعاموديا، على موقع الوزارة في جسم الدولة وفي طبيعة الحضور في المحافل الخارجية.  

صحيح أن ورشة التطوير الإداري وإعادة الهيكلة قائمة حاليا، غير أن ذلك لا يمنع من طرح أفكار يمكن أن تساعد في تميز مهنة تختلف عن باقي المهن الحرة في أدواتها (البشر والمال). 

فالقانون، من دون رجال، لا قيمة له.  

والتجارة، من دون رأس مال، لا مستقبل لها.  

إلا السياسة.  

فالسياسة مناخ.  

والدبلوماسية ميزانها الدقيق.

ومهمة الدبلوماسي التقاط النشرة الجوية وعرض تقريرها للقيادة بصورة مكثفة ودالة. 

دعونا نتفق أولا على أن العنصر البشري هو من أهم الأصول التي يمتلكها الجسم الدبلوماسي. فمهما توفرت أدوات أو أغدقت البيروقراطية من أموال، لن تكفي كلها في مواجهة الهبات السياسية الساخنة. فإذا كان المناخ السياسي مرتفع الحرارة يصبح العمل الدبلوماسي أكثر برودة وسلاسة وحيوية والعكس صحيح.

يأخذنا هذا الحديث الى ماهية الدبلوماسي نفسه. هناك تعريفات علمية وتوصيفات عامة للدبلوماسي. وقد أسهب الفيلسوف الفرنسي فيليب كاييه في كتابه الشهير القانون الدبلوماسي المعاصر (1962) في تناولها، خصوصا من الزاوية المنهجية، إلا إننا في صدد الولوج الى عقل الدبلوماسي وليس صورته. الى عقل السفير الذي سيواجه الاستحقاقات مدققا وقارئا ومحللا ومستنتجا، أي مسؤولا أمام قيادته في حسن التعبير وصياغة الموقف وصنع المخارج.

لعل البداية من الثقافة. الدبلوماسي هو قارئ نهم بالفطرة. متعطش للمعرفة. قادر على التقاط الفكرة وتثبيتها وتطويرها والأهم توظيفها. صاحب ذاكرة فولاذية (سكانر) لا يترك تفصيلا إلا ويرصده ويحفظه أو يدونه. يسترجع معلومة. يحلل ويقارن ويستنتج. مخزون او حقيبة دبلوماسية فكرية يستل منها مفرداته غب الطلب واللحظة. الدبلوماسي يجب أن يمتلك مهارات خطابية مميزة تجعله قادرا على تدوير الزوايا بكلمة أو جملة أو رمشة عين أو حركة جسدية.

هنا يجب التوقف عند كتابة المحاضر الشخصية. فالكلام المدون هو نص وروح، أي أنه عند تدوين حدث أو خبر، يجب دعم المحاضر بالمعرفة وليس بالمعلومات فقط. لا شيء يسبر أعماق الكلام كالمعرفة. فاذا أردت معرفة روح الكلام أقرأ التاريخ. أما النص، فيكفي أن تتعلم اللغة أو أن تأتي بمترجم محلف. ولا يجب أن يغفل الدبلوماسي تفصيلا في الشكل والبروتوكول، ففي هذا العالم، لكل كلمة أو حركة معناها ومغزاها.

ومن تعلم التاريخ الى قراءة الجغرافيا. الجغرافيا هي المعرفة السياسية في أسمى تجلياتها. ولا تقتصر قراءتها على التضاريس فقط، بل هي كل ما تحمله التضاريس من تفاعل مع السياسة يصطلح على تسميته بالجغراسياسة.  وكما كان يقول الزعيم الفرنسي شارل ديغول “إذا أردت التكلم في السياسة عليك النظر الى الخريطة“. عليه تكون القاعدة:الجغرافيا ثم الجغرافيا ثم الجغرافيا ثم التاريخ أيها الدبلوماسي الكريم.

طبعا التعبير كتابيا لا يكتمل بدون مساندة هي من أهم الخصائل البشرية في الكون: الفضول. فضول تتبع الأحداث وتحليل أسبابها ونتائجها. لا داعي للخجل، فكما تكون الفظاظة صنو رجل الأمن، يكون السؤال أول أسلحة أهل الدبلوماسية. ما يهم هو السؤال والبحث عن الجواب، ولا يضير أن تعرف جوابا وأن تصر على السؤال، لعلك تسمع معلومة جديدة أو تؤكد المؤكد.

على الدبلوماسي ألا يقتصر في بحثه على الأجوبة من التقارير الرسمية، ذلك أنه في كثير من الأحيان، تتواتر المعلومات شفهيا، سواء عن طريق وسطاء، أو أصدقاء مشتركين، وفي أغلب الأحيان، من خلال أهل الصحافة. فالصحافي يشارك الدبلوماسي في خصلة الفضول. والصحافة بحر كبير، وبناء علاقات معها يساعد في تدسيم الحقيبة الدبلوماسية. وعلى حد وصف الرئيس الأمريكي الراحل جون كينيدي فإن ٩٠ في المئة من المعلومات لدى الرئيس متوفرة في الصحف!

المهم، لا يوجد صحافي كبير وصحافي تافه، توجد فقط أخبار مهمة وأخبار تافهة، وثمة خيط رفيع ومضلل بين الإثنين، قد يفقد الدبلوماسي البوصلة السياسية، إذا لم يكن محصنا وقادرا على إمتلاك عدته، وأساسها الثقافة والمعرفة. هنا لا بد من إعتماد قاعدة بسيطة: ربط المعلومات بالسياسة، ثم ربط السياسة باستراتيجية الدولة. هذا الربط المستمر هو بمثابة مضاد حيوي وطني ومن دون أي تكلفة على خزينة الدولة.

والكلام عن الربط والتحليل لا يستقيم بدون إدراك عميق لمفاهيم ومفردات معتمدة في الدبلوماسية العالمية، ومنها مفهوم أساسي في عالم اليوم وهو: الدولة/الأمة. 

ومن باب معرفة الفرق بين المفاهيم والمبادئ لا بد من التفريق بين السياسة والسياسات.

السياسة تقدير والسياسات نصوص.

والنفوذ حيث تؤثر لا حيث تأمر.

لأجل ذلك، ابحث عن القيمة السياسية لا التقييم السياسي.

لا مناص في عالم اليوم من مواكبة التطور. الحضور صار إلزاميا في العالم الإفتراضي، كما في مواقع التواصل الإجتماعي، لكن حذار الإنزلاق إلى عالم اللايكات أو الواجبات ـــ الوجبات الإجتماعية الوهمية. لا بد من رصد هذه العوالم ومحاولة التاثير فيها والتفاعل معها، وصولا إلى صناعة رأي عام منحاز لقضايانا، من دون أن نغرق في الشكليات والسلفيات.

في الخلاصة، الأندية الدبلوماسية تشبه الأندية الرياضية. مشتركون ولاعبون ومتفرجون وطامحون.  تتشابه في مبدأ تقديم الخدمة. الملاعب مجهزة بأحدث الأدوات والمدرجات لاستقبال المشجعين. الملعب واحد ولكن اللعبة مختلفة في كل بلد.

أتقن اللعبة أيها اللاعب… الدبلوماسي.

Exit mobile version