في أمسية قاهرية وفي النادي الارذوكسي شتاء 2014، وجدت نفسي في قلب حوار أفكاره عميقة ولغته بسيطة، حوار أشبه بالشعر «الحلمنتيشي» (الشعر الجامع بين الألفاظ العامية والفصيحة بهدف وصف سلوك أو مشاعر بشكل هادف). في هذا الحوار كان هناك لبناني يصف مصر ومصري يصف لبنان، وكلاهما يمدح. وأنا معهم وبينهم، سعودي من بلاد التمر والجمر كما كان جدي يصف نفسه. أسمع وأسجل بكل حواسي، متابعاً وعقلي كله آذان صاغية. طال النقاش وامتد إلى منتصف الليل، ولكن الشغف استمر يلمع بعيون الحاضرين عند الحديث عن البلدين.
كنت جالساً بجانب ناشر صحيفة السفير اللبنانية طلال سلمان (توقفت الصحيفة عن الصدور بعد سنتين)، وأخذت أتبادل معه أطراف الحديث، هو مصري الهوى، يحكي وبقناعة مطلقة عن مصر التي لن أعرفها إلا في الكتب، مصر فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي. حاولت مراراً خلق توازن أفكار بوصف بلده لبنان، إلا أنه كان قاطعاً جازماً برأيه بقوله: «يا ابني مصر بتحضنك متل الأم». قلت في نفسي عجيب هذا الأمر صحافي شامي ومن جبل لبنان يرى أن مصر هي أم الدنيا.
المهم لم يقصّر أحد في الحديث، وبخاصة عند كلام الكاتب المصري علاء الدين الأسواني، إذ أسهب وعلى طريقته في الوصف روائياً، ثم أخذ الكلام الصحافي المصري أحمد الجمال إلى مستوى فن المسرح، مضمون تمثيلي بإضاءة وجه القمر، إذ كنا نجلس على شرفة النادي.
عند انقضاء السهرة وأثناء العودة إلى الفندق مشياً، استمر الحوار بيني ونفسي. ليلتها أخذت أسترجع كل النقاش وأفكاره، وأكثر ما لفت انتباهي أنه نحن، الجيل الجديد من العالم العربي وتحديداً السعودي، نرى صورة مبتسرة للبنان ومصر. صورة تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد على حد وصف الشاعر الجاهلي. ففي مصر نرى الأهرام وعبدالناصر والإخوان المسلمين والاقتصاد المتردي. وكذلك بيروت سلاحاً متفلتاً، وحزب الله وأكل من فوق ومن تحت ولا سبيل للهرب في حال الحرب.
اندفعت بعدها باحثاً عن صورة لمصر ولبنان. عن شخصية بلدين دائماً ما يجدون لأنفسهم مكاناً في وجدان كل عربي. وعلى رغم الصورة النمطية السائدة اليوم، استثارني حوار القاهرة، وتذكرت كتاب الباحث المصري جمال حمدان «شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان». يشرح فيه كيفية قراءة الخريطة. فالخريطة هي خريطة تضاريس وليست خريطة بشر فقط. عندها تعرفت على شخصية مصر النهر ولبنان الجبل.
مصر أم الدنيا.. لا سكون ولا ضجيج على أرض مصر. ولا صوت يعلو فوق صوت النهر. كل يجري على إيقاع مياه النيل. نوتة مصرية نزح إليها البشر قبل 10 آلاف سنة بحثاً عن الاستقرار على ضفاف أطول نهر في العالم. ومازال سكانها إلى اليوم يحب العيش على ضفافه. وأم الدنيا شعار يهدر في شريان الوجدان المصري كهدر مياه النيل. شخصية نهرية بامتياز.
النيل، مثله مثل الأم، يفيض بعطائه ومن دون مقابل، والجميع يتشارك من خيرات فيضه، من زراعة أو صناعة أو تجارة أو حتى اختراع الفكاهة. وطبعاً كل ما يرادف هذه المهن، كالفن والتاريخ والأمن والعمل السياسي. ولاستمرار هذا النموذج الاجتماعي برزت الحاجة الدائمة إلى نظام الحاكم المركزي. أو «الفرعون» لضمان الاستقرار والتأكيد على حصول الكل لحاجهتم إلى خيرات النهر. ولكي توضح الصورة دعناً نتخيل حركة الماء.
تمطر السماء فتجري المياه، تسافر من أعالي الصعيد لتصب على مائدة البحر الأبيض المتوسط كما كان يصفها محمد حسنين هيكل. قوى الجاذبية تضمن سريان تدفق الماء. غير أن سكان الضفاف بحاجة إلى قوة سلطة لتنظيم المنفعة. حاكم بأمر النهر يضمن عدم منع وصول الماء إلى قرية بسبب الأخرى. يحل الخلافات ويحمي الأعراض. من هنا تخطو الدولة المركزية أولى خطواتها. فمفهوم المركز متجذر في الشخصية المصرية (الفرعون).
لنتأمل المفارقات الآتية، القاهرة هي العاصمة ولكن ينادونها مصر. مثلاً يقال «آنا نازل مصر». الطريق السريع الرابط بين مدينة الإسكندرية والقاهرة اسمه «طريق الإسكندرية – مصر». حتى ثورة 25 كانون الثاني (يناير) منذ أن اعتصم الشعب في ساحة التحرير وسط العاصمة خسر النظام علة قيامه. حتى وإن اعتصمت بقية المدن والقرى. المهم المركز.
مازحاً ذهب بعض المشاغبين في الحوار القاهري إلى وصف الثورة ضد الرئيس مبارك. قائلاً: «إنها لم تكن ضد الرئيس لأنه تفرعن بل لأنه ما عاد فرعوناً». مستنتجاً أنه لطالما أنجب النهر فرعوناً لمصرها.
لبنان قطعة سماء.. لا أسقف في لبنان. لا في الطموح ولا في الجموح. كل فكرة وأية حركة تريد أن تلامس السماء. إذ شكل لبنان وجبله تحديداً ملاذاً لكل من يعاني الاضطهاد، سواء أكان فرداً أم قضية. وفي الوقت نفسه استقطب بجماله كل أنواع الابتكار. مكتسبة بذلك شخصية أهل الجبال. شخصية لا حدود أو سقف لها. حتى أرض لبانة آخنوخ (النبي إدريس) لم تكن لترضى بمكان رومانسي حين أراد وصفها الشاعر يونس الابن، فجعلها قطعة من السماء. صحيح هي مبالغة في الوصف ككل الشعر، ولكن للدقة هي مبالغة شاعر من جبل لبنان. جبل لبنان صانع هوية سكانه. هوية جبلية تتنفس بسلسلتيها الشرقية والغربية. فإذا كنت ذو ميول غربية ستجد المناضل والعميل وكلاهما لبناني أصيل. وإذا ميلت شرقا فلك أن تغرف من صفحات التاريخ ما لذ وطاب. هذا الانقسام بين يمين ويسار قديم كقلعة بعلبك. أصلاً الانقسام السياسي سمة تكونينة في لبنان. يستغله الجار وألام الحنون والمجتمع الدولي، والمتردية والنطيحة على حد وصف بعضهم. آي أن انقسام اليوم بعنوان 14 و8 مارس (آذار) اختراع لبناني حتى وإن ظن البعض أنه أميركي أو إيراني. لطالما كان البلد مقسوماً. سياسياً على الأقل. لهذه النشأة سبب تدفع به الطبيعة. مرة ثانية لنتخيل حركة الماء.
تتعلق القرى على جلال الجبل قرية فوق قرية. كل منها تتكئ على نبعة ماء. لا أفضلية في الارتفاع. فالجالس في قمة الجبل مثله مثل من يسكن الوادي. لأنه عندما تمطر السماء تنساب المياه إلى الأسفل من دون منة. تتكفل قوى الجاذبية بإيصالها إلى كل ضيعة. هنا لا حاجة إلى قوة سلطة منظمة لشؤون الحياة وتعميم المنفعة. فلكل ضيعة «فرعونها». يرعى العرض والمال والأهل. ويكف يد كل معتدٍ.
القرية للزعيم والماء للجميع. وليس أدل على ذلك من تصرف اللبنانيين وأحزابهم. يريدون دولة. ولكن يريدونها غائبة. وكأن دولة لبنان في كباش أزلي مع هويته.
و«بعدين»؟ لا سياق أو مناسبة لهذا الكلام إلا من باب التذكير. أن لكلا البلدين دور لا ينبغي التفريط فيه. حتى وإن باعدت السياسة بيننا. نحن نحتاج إلى الدورين، دور النهر ودور الجبل.
??* مهتم بالشأن الدولي.
![]()
