ماذا يحصل في تركيا؟ حوار مع مُهْتَمٍّ “سابق” بتركيا

التقيت بخبير في الشؤون التركية، في مقهى باريسي الطابع، يطل على البحر الأبيض المتوسط وتحديداً من شواطئ بنى عليها العثمانيون قلاعاً لحماية إمبراطورتيهم المترامية في ما مضى. من كورنيش مدينة بيروت، حيث أغلب العائلات المنتمية لهذه المدينة تحكي قصص هجرة أجدادها الى الساحل اللبناني في العهد العثماني، لسد الثغور. 

جلس الخبير وظهره للبحر، المدى الاستراتيجي لبلد، وراح يشرح ويفصل ما يجري في البر، الشام. يرتشف الماء من كأس تحت شمس البحر الأبيض المتوسط، الحامية والبلا حرارة. أفاض شرحاً في التاريخ والجغرافيا والصحافة، مختتماً حديثه كيف أن المنطقة العربية ما زالت تفرز أسوأ ما عندها، مفرغة تناقضاتها على مؤسسات وجماعات لبنان، والصحافة ليست استثناء.

بعدها أردت استثارة عقله. ولم أجد أفضل من هذا السؤال: ماذا يحصل في تركيا؟

سكت لثوان قليلة، لا لتجميع الأفكار بل لإيجاد التعبير المناسب في وجهه للإجابة. فرك يديه ومن ثم داعب لحيته المطلقة حديثاً قائلاً “الحقيقة أن الرئيس (رجب طيب) أردوغان أفقدني الرغبة في متابعة شؤون تركيا”، ثم أكمل “وللصراحة أردوغان يشعرني بالقرف مما يحدث هناك”. لم استغرب ردة الفعل. فمتلازمة القرف من الشأن العام أصبحت آفة في منطقتنا، ويبدو أنها قد أصابت هذا “الخبير المحلف”. 

متكئاً على الطاولة، انطلق الخبير في شرح مسببات قرفه، واصفاً وباستياء فاضح كيف أنه ينتمي الى جيل وجد في تركيا أتاتورك، غداة انكفاء مصر النموذج، تركيا الأطلسية المسلمة والديموقراطية، كل ما يكفي من مخزون استراتيجي يؤهلها لممارسة أدوار في المنطقة، أدوار غيبت وغابت. لتركيا وقوتها الناعمة طريق إلى قلوب العديد من العرب، مفروش بالسجاد الأحمر. 

هي الدولة التي في مقدورها مصالحة فكرة الحداثة والأصالة. التقدم والتخلف. وقد نجحت في دخول العصر الحديث على أكتاف الماضي الإسلامي لدى دولة بني عثمان. واليوم نرى عكس كل ذلك، بفعل سياسات يمارسها أردوغان. يسند الخبير ظهره على كرسيه، فينتهي الكلام.

بعدها، أخذت دوري في الحديث. ذهبت للقول إن حالة الاستياء والقرف تذكّرني بما حصل بعد سنة النكسة عام 1967. يوم سقطت أراض عربية جديدة في أسر الاحتلال الإسرائيلي وسقطت معها الكثير من معنويات جماهير الأمة، والأهم سقوط شرعية النظام العربي، لكن المشروع القومي العربي الناصري ما زال قائماً عند البعض وإن لم يكن عابراً للحدود. فهل مشروع أردوغان الذي سقط أم شرعيته؟

هنا استنفر الخبير مجدداً، بعدما إستفزه كلامي وقال: “لا أردوغان سقط ولا شرعيته. فهو يستمر محافظاً على السلطة طوال 15 سنة، ويلعب ضمن قواعد اللعبة. صحيح أنه لا يمكن القفز فوق محاولة الانقلاب الفاشلة عليه قبل عامين، حتى وإن كانت الانقلابات العسكرية فيما مضى دارجة. وتركيا بعد محاولة الانقلاب ليست كما قبلها، وبخاصة أنها جاءت في لحظة تحول في المنطقة كلها”.

ويكمل: “ما سقط هو مشروع أردوغان الإقليمي. المشروع الذي وقف متعارضاً مع مصالح القوى الدولية في حلب، ومتعارضاً مع المنافس الإقليمي إيران في دمشق مما سبّب ردة فعل انعكس على الداخل التركي تفجُراً، فالحلم الكردي بالاستقلال أثار الذعر في قلب أنقرة. تركيا اليوم تبحث عن موقعها السياسي بينما أردوغان يبحث عن الإستدارة”.

وأكمل شارحاً، بالشكل، أردوغان في موقع مشابه لعبد الناصر. الفرق أن عبد الناصر كان لديه مشروع قبل الإستدارة السياسية أو التحوّل. فهو غيّر موقع مصر على الخريطة لأسباب عدة، أهمها أن واشنطن لم تقف مع القاهرة في مشروعها الإقليمي (بناء السد العالي مثلاً)، فذهب عبد الناصر الى موسكو. أما أردوغان فمشروعه خسر، لذلك هو يبحث عن الإستدارة.

المقارنة بين مصر وتركيا ليس الموضوع، قلت لمحدثي، ولا المقارنة بين عبد الناصر وأردوغان. أصلاً فكرة أن الدور المأمول لتركيا مرهون بشخص غير دقيقة، تماماً كما ينسب لعبد الناصر. لا بد من أن تركيا الجغرافيا لها كلمة في ما يجري، وتحديداً لجهة المتوقع منها. وذكرت كيف تعلمنا أن الأناضول هو سقف العالم السياسي بلغة الاستراتيجيا. وأن الدور يكون بحجم الموقع لا المتوقع، بمعنى آخر أن أي رئيس لتركيا سيجد أن عمقه الأمني هو بر الشام وليس وسط أوروبا فقط.

مثلاً عوامل الجيوبولتيك تفرض نفسها منذ ما قبل قيام الدولة التركية الحديثة. العوامل التي لا مناص أو مهرب منها. وأخصام تركيا هم أنفسهم قبل أكثر من ألف وخمسمائة سنة. الكرد والفرس والعرب والروس. ومن الذاكرة الجماعية التركية خوضهم لحروب عدة مع روسيا في العصر الحديث. وكيف أن الأناضول مفتاح الغرب للشرق والعكس كذلك. تجسده مدينة إسطنبول بشقيّها الأوروبي والأسيوي، ومعها مساجدها وكنائسها.

أما تركيا الأطلسية، المتصالحة مع النظام الأوروبي الذي أنشئ بعد الحرب العالمية الثانية، فلم تستطع أن تنضم الى الاتحاد الأوروبي باستثناء اتفاق جمركي، ولأكثر من سبعين عاماً. في حين انضمت دول كصربيا وبولونيا وفي أقل من أربع سنوات، بعدما كانت جزءاً لا يتجزأ من المعسكر الشيوعي.

ثم أكملت، المشروع الأردوغاني سقط ليس لأنه معارض لموقع تركيا بل لأن أنقرة أرادت أن تمارس سياسة أطلسية مع إدارة عثمانية. ما أسقط المشروع الأردوغاني هو التناقض، وأي محاولة لحزب أو شخص أو زعيم لأخذ بلده عكس قوانين الجغرافيا مصيره الفشل. على العموم لم تتحوّل الدولة العثمانية الى إمبراطورية الا عند دخولها الشام، وتحديداً في عهد السلطان سليم حين انتصر في معركة مرج دابق الشهيرة عام 1516. انتهت الإمبراطورية بعد خمسة قرون عند خروجهم منها. 

صمتنا لوهلة. ثم هزّ الخبير رأسه، رغم اصراره على دور أردوغان السلبي، معترفاً أن المنطقة كلها تعاني من تناقض في المشاريع والإدارة السياسية، تناقض يهدد سقف العالم بالسقوط.

Loading

اترك رد

اكتشاف المزيد من طارق فريد زيدان

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading