من مكتبه في وزارة الخارجية وحتى صعوده الطائرة في مطار واشنطن، أظهر الوزير الأمريكي الاسبق هنري كيسنجر سعادة غامرة إستعدادا لزيارة الشرق الأوسط. فزيارته الشهيرة عام 1973م جاءت بعد حرب أكتوبر مابين العرب وإسرائيل. جائت بعد نجاحه في التوصل لإتفاق وقف إطلاق الناربين مصر والدولة العبرية، مما فتح باب التفاوض لعملية السلام…….حتى الأن.
لكن السعادة التي أشعها كيسنجر كان لها أبعاد أخرى. الزيارة ، على حد وصفه، لمست فيه السياسي و النفسي. سياسيا، سيكون هو وزير خارجية أمريكا الذي حل حرب فيتنام، وفتح العلاقات الثنائية مع الصين، و خفض مستوى التوتر مع الاتحاد السوفياتي يومها الى حده الادنى. و اليوم هو يقبض على خارطة الشرق الأوسط بمواقعها ومواردها. صاحب مقولة “السلطة أقصى درجات الشهوة” يجد نفسه مؤهلا لدخول نادي كبار رجال السياسة الخارجية الأمريكية. نادي سبقه اليه رجال أمثال توماس جيفرسون و جون أدمز و جورج مارشال.
غير أن تلك السعادة تكون مضاعفة في البعد النفسي. فذلك الصبي اليهودي الذي عاش في ألمانيا النازية وهاجر إلى أمريكا الرأسمالية، على حد وصفه مرة أخرى، لم يستطيع كبح جماح أحلام اليقظة. وللحظة من مشوار حياته أحس بأنه أمام فرصة لطبع اسمه في سجل صناعة التاريخ العبري. كيف لا ودولة إسرائيل هي الرديف لأساطير الهولوكوست في وجدان ذلك الصبي. والأزمة التي لطالما أراد الذهاب اليها أصبحت هي من تذهب اليه. لم يبق أمامه إلى ركوب الطائرة والسفر إلى جغرافيا المصير. يهودي يعود إلى أرض الميعاد منقذاً.
إلا أن كل هذه اليوفوريا الفائضة (السعادة المفرطة) لم تمنع الأكاديمي الذي بداخل كيسنجر من إعداد نفسه. أدرك الوزير ومن على مكتبه، أنه في مرحلة المذاكرة وليس الإمتحان. عندها طلب من مساعديه بتحضير مجموعة من التقارير كي يقرأها و يتعرف من خلالها على المنطقة وأهلها. تقريران تحديدا لفتا نظره وأثارا إهتمامه. فدخلوا حقيبة وزير خارجية أمريكا. ولربما لم يخرجوا منها إلى اليوم.
التقرير الأول كان بعنوان “الشيخ والخيمة”. فيه يتحدث التقرير عن عملية صناعة القرار في المنطقة. الخيمة طبعاً هي الدول التي سيقوم بزيارتها. أما الشيخ فهو الرجل الذي بيده الكلمة الفصل، الزعيم. سواء أكان هذا الشيخ يلبس “العقال” أو “العمامة” أوحتى” قبعة عسكرية” فجميع السلطات تحت يد من ارتضوه شيخا لهم. يستطرد التقريرواصفاً، أنك يا كيسنجر، ستسمع كلاماً كثيراً من أشخاص عدة في الخيمة، يزعمون فيه قربهم من الشيخ. لا بل البعض من هؤلاء الأشخاص قد تأخذهم المبالغة بنسج قصص يمتزج فيها الواقع مع التمنيات. كيف أنه الاقرب للشيخ بالدم، وغيره يدعى أنه الأقرب بالمزاج. وأخيراً الإدعاء الأكثر تداولاً، بأنه أي الشخص، متابع لأفلام هوليود وبالتالي الأفقه بالثقافة الأمريكية. لابأس بالإستماع وإن اضطررت الإبتسام. تبقى العبرة: أن القرار بيد الشيخ وحده. تكفي إشارة منه يكون القرار قد صنع مع إلتزام الجميع. وعليه إذاً ضع كل تركيزك على شيخ الخيمة.
أما التقرير الثاني فكان بعنوان “السوق”. هنا يشرح هذا التقرير عملية التفاوض كأسلوب. و يدعو فيه كيسنجر إلى تخيل نفسه في سوق البازار، أو كما نسميها اليوم “سوق الحراج”. البضاعة هي نفسها في كل محل، وإن إختلفت طريقة العرض. قد تكون البضاعة معروضة بمبادىء قومية أو حتى ايديولوجية، فلا داعي للتشتت بالشكل، لان الشكل لا يعكس قيمة البضاعة. يكمل التقرير سرده أنه في بداية المفاوضات سيرفض الجميع تخفيض سعرهم المطلوب، متعللين باسباب كثيرة. و ستكون الحجج غير مترابطة و قد تصل الى درجة الحياة أو الموت. المهم يا معالي الوزير استمر بالمفاصلة و المساومة حتى و ان علت وتيرة الغضب و الانكار. في النهاية لا تستغرب ان تمت المبايعة بنصف السعر المعروض سابقا.
وانطلق موكب السياسي و الصبي و الاكاديمي نحو المطار. وركب كيسنجرطائرته حاملاً معه أحلامه وأفكاره. محلقا فوق الأطلسي و مستندا على اسطر في تقاريره راح يرسم سياسة الولايات المتحدة الامريكية. اطمئن على اعتبار أن الزيارة بحد ذاتها نجاحا، و استقر رأيه أن مشكلة الشرق الأوسط لا تحل الا بسياسة “الخطوة خطوة”. سياسة تفتيت المشكلة الى مشاكل صغيرة، يتم التفاوض على كل مرحلة مع كل خيمة و مع كل شيخ على حدا. عندها تكون ادارة البيع و الشراء في كل سوق تحت يديه، و بدون تدخلات أقليمية أو دولية. قيل يومها أن الوزير أخذ أكثر مما كان يتوقع. فهو لم يخرج الاتحاد السوفياتي من المنطقة فقط، ولكنه قلب موقع مصر في خارطة الصراع الدولي.
أربعة عقود عجاف منذ أن حطت طائرة كيسنجر في منطقتنا. الزيارة في رأي الكثيرين أعتبرت محطة أساسية في مسار الأحداث الشرق أوسطية. فخلال تلك الفترة شهدت المنطقة أكثر من عشرين حربا، منها على الأقل: اثنان دولية و أربعة أهلية. مسار دموي و تدميري يرى البعض أنها الدليل على صحة ما جاء في تلك التقارير……. أو ربما العكس!
نعم العكس.
البعض الأخر قد يرى أن لا سياق أو مناسبة لهذا الكلام، إلا من باب الإثارة في نبش وقائع من الماضي. فهناك رأي يرى أن ما جاء من وصف في التقريرين غيرصحيح بالمطلق. أصلا هذا الرأي يعتقد أن كل هذه التقارير قصص وفي أحسن أحوالها تاريخ. الكل يعلم ولع بيروقراطية العم سام بمسألة التقارير. الولع الذي أصبح هوساً لدرجة أن الإنطباعات غلبت على المعلومات في أحيان كثيرة. وليس أدل على ذلك إلا بعض السخافات التي وردت في وثائق ويكيليكس الذائعة الصيت.
وأما انجازات السياسة الخارجية الأمريكية ف”أطلب و تمنى”. الفشل العراقي فاضح و الاحتلال الاسرائيلي متمادي و التدخلان التركي و الايراني يجريان على قدم وساق. حتى كيسنجر نفسه، وفيما يخص انجازاته، لا يسجل له انهاء حرب فيتنام. ليسأل شريكه في جائزة نوبل للسلام عام 1973م، الرئيس الفيتنامي لي داك توو، وعن رفضه للجائزة لان القتال ما زال مستمرا. على أية حال أسألوهم، هذه شهادة مواطن من أهل التقارير. فعندما سئل الكوميدي الأمريكي باري كريمنز عن عدم مغادرته الولايات المتحدة و هو الذي يسخر منها دائما أجاب:” أخشى أن أكون أحد ضحايا سياستها الخارجية”. السيف أصدق أنباء من التقارير.
![]()
