لماذا دمشق ليست في محور الاعتدال؟

حزب البعث وبلاد الشام …. حين تصبح الممانعة سياسة

من البديهي أن تتفق الأغلبية، عند قراءة تاريخ حزب البعث العربي الاشتراكي، على أوصاف كالدموية والقمعية، ويكون إستحقاق هذه الأوصاف جدارة من خلال السياق الدراماتيكي للأحداث. الا أنه، علمياً على الأقل، لا يمكن الإستناد فقط على هذه الصياغة من التاريخ السياسي للمنطقة و تحديدا تاريخ سوريا المعاصرة بدون التوقف على مقدرة الحزب بفرعه الشامي الأستمرار بالرغم من المنعطفات الدولية والأقليمية.

وعلى ضوء هذا التوصيف لابد إذاً من السؤال: كيف يفكر حزب البعث السوري سياسياً؟ وكيف يتحرك؟ قليل من التاريخ قد يفسر لماذا دمشق ليست في محور الاعتدال؟ 

الولادة…….

في مقهى هافانا تحلق الشباب الدمشقي المتعلم حول رجل شدتهم إليه فكرة من كلمتين “نهضة وبعث”. إنجذب الشباب إلى المزيج مابين الأحلام القومية والأفكار الفرنسية التي كان يطرحها زكي الأرسوزي. عن “ضرورة تحرر العرب من الحكم التركي والإحتلال الأجنبي، وعلى ضرورة إسترجاع مكانة الامة العربية في مسار الحضارة الإنسانية”. فسرعان ما تحول هذا المقهى إلى مركز لقاء لمثقفي سوريا وثورييها. ففي العام 1940م تراجع نشاط عصبة العمل القومي في وقت كانت الساحة جاهزة لظهور أحد أبرز الأحزاب السياسية في العالم العربي في القرن العشرين “حزب البعث”. قد يختلف البعض على دور الأرسوزي في نشأة البعث، لكن مما لا شك فيه أن النواة العقائدية لحزب ميشال عفلق وصلاح الدين البيطار بنيت على أفكاره. من هناك كانت الولادة الفكرية.

المهم الأحزاب السياسية كالبشر لديها عقل ولديها جسد، ولفهمهما علينا أولاً فهم عقله والمركبات النفسية له، فلحزب البعث في سوريا خزائن هائلة من التجارب والمعارك السياسية. خاضت سوريا عدة حروب مفصلية كفيلة بوصف حجم التراكم النوعي في الخبرة لعقله السياسي.

حرب العام 1967م “النكسة” والخسارة الكبيرة لأرض الجولان دفعت بالنظام للإنقلاب على الذات في مايسمى ب “الحركة التصحيحية”. فالنكسة أدت إلى شرخ كبير في صفوف القيادات العسكرية والمدنية، حيث أفرزت أزمة حكم بين الرفيقين صلاح جديد ممثلاً القوى المدنية وحافظ الأسد ممثلاً القيادة العسكرية. أهم تاثير على عقل النظام هو خلق إستراتيجية صراع ضد العدو الإسرائيلي تكون مرتبطة مباشرة بالمسائل الداخلية كالتنمية والإقتصاد، فالرأي العام السوري لام الحزب على سوء أدائه في الحرب عندما وضع مصلحته الحزبية قبل مصلحة الوطن والامة.

وكذلك في العام 1973م “حرب أكتوبر” حين حقق العرب إنجازاً عسكرياً بمقابل ضعفاً كبيراً في مجال العلاقات الخارجية، أكثر من هذا توجهت مصر إلى محادثات سلام منفردة مع إسرائيل. عندها أدرك الأسد الأب أن التضامن العربي وحده لايكفي لتغيير موازيين القوى، مما يفسر لاحقا توطيد العلاقة مع ايران الثورة. عندها تطورت إستراتيجية الحزب إلى بناء جبهة سياسية وعسكرية موحدة تضم سوريا ولبنان والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، صاعدة عندها بسوريا كمركز ثقل وقوة في المنطقة.

ولعل تداعيات إتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر و اسرائيل كان لها الأثر الكبير على النظام العربي و خاصة حزب البعث الشامي، حيث أن مصر لم تخرج فقط من الصراع العربي- الإسرائيلي بل فتحت الباب لإعادة تموضع القوى كافة في الإقليم. إعادة تموضع كادت أن تخرج سوريا كمحور في المنظومة السياسية. صحيح أن قوات الجيش السوري دخلت لبنان قبل إبرام إتفاقيات السلام المصرية- الإسرائيلية، إلا أن النظام أثبت قدرته على التحرك في ظل موازيين قوى مختلفة. أثبت المقدرة على توظيف إمكانات محددوة عسكرياً لغايات أبعد من الجغرافيا، مظهرة براغماتية مرنة بعكس التصلب العقائدي الذي مورس في الماضي. في منظور الحزب كان إنفجار الحرب الأهلية اللبنانية إستكمالاً لعملية المحاصرة لسوريا وتفرد إسرائيل، الثمن: الدخول العسكري والمواجهة.

ورافقت جميع هذه الإستحقاقات الإقليمية إحتدام أزمات داخل سوريا، بدأت من خلال الجماعات الإسلامية وأبرزها “الإخوان المسلمين” . عوامل الخلاف الداخلي عديدة حيث الإختلاف العقائدي بين حزب البعث والإخوان قديم، فلقد إمتدت المعركة الداخلية في سبعينيات القرن الماضي لأكثر من خمس سنوات، فاتحة الحرب على مصراعيها لا بل أصبح الأسد الأب نفسه هدفاً مباشراً حيث نجى بإعجوبة من محاولة إغتيال من أمام قصر الضيافة في دمشق. عندها خرجت شخصية الحزب الحذرة والسلطوية الذي بات ينظر على أن الحرب الداخلية ماهي إلا إمتداد للصراع العربي- الإسرائيلي. مؤامرة مستمرة من قبل الغرب لمعاقبة سوريا لعدم إنصياعها، وتستمر المؤامرة إلى اليوم حسب عقل النظام في دمشق.

أدت جميع تلك الأحداث الى نشوء نفسية يقظة للنظام، وهو ما انعكس على طريقة حركته. فقد أدرك حزب البعث أن إستمراريته في السلطة لن تدوم مالم يكن جسد النظام مدجناً وتحت أمرة القيادة القطرية له. ذاب الجيش في الحزب.

ما يعرف بحقبة الإنقلاب والإنقلاب المضاد ما كانت إلا إرتدادا للصراعات الإقليمية وظهور سوريا كملعب لصراع النفوذ في المنطقة: هي حقبة الصراع على سوريا. لقد قام الجيش السوري في الماضي بأكثر من 20 عملية إنقلاب في فترة 17 عاماً. التحول الكبير حصل في العام 1963م عندما إستولى حزب البعث على السلطة من خلال اللجنة العسكرية السرية في القاهرة و المكونة من : محمد عمران، صلاح جديد، عبدالكريم الجندي، محمود المير وحافظ الأسد، مجموعة من الضباط البعثيين في زمن الوحدة بين مصر و سوريا إتفقوا على الإجتماع سراً لحين التوقيت المناسب لدخول الساحة. يمكن وصف هذه المرحلة بالولادة الثانية للجيش السوري، كما يمكن وصفها بمرحلة صعود العسكر للسلم الإجتماعي في سوريا.

ساد شعور آنذاك بأن الجيش هو سلم النجاح والإرتقاء الإجتماعي، لكن ما حصل من صعود سريع للعسكر وحزبيي الأرياف لم يكن تحولاً مدروساً نحو الديموقراطية وبناء الدولة، الأساس في جوهره كان إحكام السيطرة على أهم مؤسسات السلطة “الجيش”. الأدوات لكل ذلك لدى البعث كان أيضا في صلب عقيدته : العلمانية والقومية. فلقد نبذت عقيدة البعث الطائفية حيث عملت في كل قطاعات المجتمع السوري و خاصة الجيش، على عملية دمج الطوائف بمقابل المصالح الفردية، ومفاضلة الأقارب على أبناء المذاهب، طبعا تم استثناء الاجهزة الأمنية . النتيجة: أعيد هيكلة الجيش بعقيدة البعث. لا يمكن أغفال أن ثمة خسارة لفئة ومكاسب لفئة أخرى كنتيجة لهذه الممارسة، كما يبدو جلياً في القطاع الإقتصادي.

من هنا يمكننا النظر إلى السلطة في دمشق من الزاوية الطائفية، غير أن من بعد سقوط الدولة الهاشمية الفيصيلية والصراعات التي أعقبتها من سيطرة أعيان المدن الكبرى دخلت سوريا عصراً جديداً، عصراً تصدر فيه حزبيي الأرياف والقادة العسكرية الذين بدورهم بعد عدة عقود أصبحوا برجوازية المجتمع. فالمقصود هنا أن المسألة الطائفية والإثنية يجب أن تأخد حجمها الطبيعي لبلد فيه بيروقراطية حاضرة وجيش قوي. مبررات هذا المنطق كثيرة ليس أولها أن أكبر طائفة عدداً وهي الطائفة السنية في حقيقتها عبارة عن مجموعة أقليات حزبية وطبقية وثقافية وإثنية، وليس آخرها النزعة المدنية الحاضرة في الذاكرة الجمعية السورية، كتولي مسيحي منصب وزير الأوقاف الإسلامية وهو فارس الخوري. المجتمع السوري معروف تقبله لمظاهر الحياة العصرية والمدنية، إلا أن البعث في محاولته الإستمرار في السلطة والسيطرة لاقى رفضاً شعبياً متقطعاً.

إذاً من أجل الوطن وإحياء الأمة لا بد من “إنبعاث”، مسيرة من الأحداث والصراعات اختصرت الوطن في حزب ومن ثم ذاب الجيش في الحزب معلناً عندها صعود العسكرتاريا. ولا مانع أيضاً عند التوافق الدولي أن يذوب الوطن كله في عائلة كما حصل في العام 2000م.

نصل الى ان أكثر من 6 عقود على ولادة البعث قد خلت، و الحزب بفرعه السوري ما زال في المربع الأول. فمنذ إستيلاءه على السلطة لا يكاد يخرج من أزمة إلا وقد دخل في أخرى. لا بل إستعرت الرجعية والطائفية على أرضه الأم حيث لا شواهد للتقدم والوحدة الوطنية و بغض النظر عمن يكسب الحرب الدائرة منذ أكثر من 4 سنوات. مسار طويل ومؤلم، إلى أنه في المقابل ترسخت حقيقة واحدة: وهي مركزية سوريا في الفضاء الجيوسياسي لتتجاوز حدودها الجغرافية إلى حدود بلاد الشام او كما يسميها الغرب “الشرق الأدنى”، وفي قلب كل هذا مازال حزب البعث ممسكاً بالسلطة في بلاد الامويين حتى اللحظة، سلطة أصبحت الممانعة عندها سياسة

Loading

اترك رد

اكتشاف المزيد من طارق فريد زيدان

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading