قبل تسعين سنة قال الزعيم المصري سعد زغلول كلمته ومشى. يحكى آنه وعلى فراش الموت نظر الى زوجته صفية زغلول قائلا:” شدي اللحاف يا صفية )غطيني يا صفية) ….. مفيش فايدة”. هو طلب شد لحافه من آم المصريين، هكذا لقبت زوجته صفية بنت مصطفى فهمي باشا. لم يقصد لحافه السياسي ولا الاقتصادي او حتى لحاف الاستعمار الانجليزي الذي قاد ثورة ضده عام ١٩١٩م. هو أراد شد لحاف المرض الذي استشرى في جسم مجتمعه. مرض التدهور والانحدار في ممارسة الشآن العام. توفي مؤسس حزب الوفد وكله استياء من صراع الاحزاب السياسية المصرية. أو هذا هو التفسيرالشائع.
بغض النظر عن التفسير الدقيق للمقولة (البعض يقول آنه كان يشتكي من مرضه فقط). الا ان الوضع المصري العام استمرفي الانحدار. ويبدو ان من سمعه في مصر كان الضباط فقط. فشدو وأمعنوا في شد اللحاف العسكري. ثورة وعدوان ثلاثي ودولة وحدة ثم انقلاب على دولة الوحدة ونكسة ونص تحرير وسلام مزيف وفرعون مبارك علينا ثلاثين سنة ثم ثورة ومن بعدها ثورة على الثورة لترجع الى آهلها (السيسية). على آية حال لم يكن المشرق العربي أحسن حظا. آخذ نصيبه من كل ذلك وآكثر. من احتلال فلسطين وصولا الى حروب الاخرين المستمرة على آرض العراق والشام. ومنذ آن طلب سعد زغلول شد اللحاف ومسار الانحدار العربي يكشف آن القاع لم يلامس بعد.
تعددت اللحافات والنتيجة واحدة…..
في الشآن السعودي العام طغى ويطغى لحافان بارزان. لحاف اسلامي ولحاف ليبرالي. ومنذ آن تفتحت اعين عقولنا والفريقين يدعون آن مفاتيح المستقبل بحوزتهم. يستعرضون عضلات الصوت لا عضلات المنطق. لديهم قدرة عجيبة في توصيف القضايا من دون حلول آو آقتراح. وكلاهما عجز حتى الان من تقديم خطاب متماسك آمام التحديات المفصلية. او حتى مشروع وطني عصري ينتمي للقرن الواحد والعشرين (وقفوا محتارين امام مشروع الرؤية ٢٠٣٠). لا بل وصل العجز في خطابهم الى مرحلة بتنا نعتقد آن آسبابها تكوينية. وهنا لا آقصد النص الذي كون كل فريق، بل آقصد غياب المناقبية والموضوعية في ممارسة الشآن العام. هم يريدون محاورة الدولة ومن دون التفكير بحقائق جامدة غير قابلة للتجزئة. كالامن والمناخ السياسي. ويريدون محاورة المواطن في المسائل الفرعية والشكليات. من دون آي ذكر لقضية جوهرية تمس الفرد اسمها التنمية الشاملة.
وكنا نتصور آنهم سيطرحون قضايا المملكة الحقيقية في الايام الصعبة. قضايا ليس من المعقول آنها لم تبت في ممارساتهم للشآن العام. تحديدا آمام التحولات الكبيرة التي مرت وتمر فيها منطقتنا. آلتهابات ما يسمى بالربيع العربي كمثال. وكنا ننتظر آسئلة بحجم المرحلة لا حجم الغريزة. مثلا عند الحديث عن التدخلات الايرانية في المنطقة ستسمع وبالتفصيل عن نظرية ولاية الفقيه والفقه الاثني عشري الشيعي وتصدير الثورة والمليشيات العابرة للحدود. ولكن هل سمعت بدراسة تتعلق بآلية صناعة القرار في طهران؟ وهل تسآل آحدهم من آين تبدآ حدود الآمن القومي الفارسي؟ طيب كيف استطاعت إيران التوصل الى اتفاقها النووي مع الدول الكبرى؟ خاب تصوري وطال انتظاري.
ولا يقف انحدار الخطاب وسطحيته عند تناول المتغيرات السياسية فقط. متابعة مواقفهم من القضايا الاجتماعية والاقتصادية تظهر حالة انفصام حاد. تناقض في الافعال والاقوال. الليبراليون مثلا، ستجد بعضهم ليبرالي يساري خارج الحدود ويميني رجعي داخلها. ليشرح لي آحد كيف آكون مناصرا لحقوق المرآة في باريس ومعارضا له في مدينة الرياض. وكيف انتمى الى ثقافة الانتاج في لندن ومدافعا عن ثقافة الريع في جدة. بينما الفريق الثاني الاسلاميون، ينشدون خطابا آمميا في حين يمارسون حياة انعزالية. تجده حريصا جدا على حقوق السنة في العراق وآقل حرصا على سنة فلسطين المحتلين. شديد الاعجاب بنموذج ماليزيا الاقتصادي وفي الوقت نفسه يستنكر دفع ضرائب لحكومته. آي ضرب من الهذيان هذا.
طبعا هذا الهذيان تتضح عوارضه في آول منعطف حواري. وينكشف عند آول اختلاف بين الطرفين. عندها يشتبك الاسلامي والليبرالي في صراع آشبه بالخناقة. خناقة عمرها من عمر آكتشاف النفط آو كما يعنونها البعض بصراع الحداثة مع الاصالة (قبل النفط لم آسمع آو آقرآ آن كان هناك ليبرالي آو آسلامي). المهم مقالات صحفية تتراشق كالرصاص ومناظرات تلفزيونية تنفجر في داخل كل بيت كالقنابل. عملية آشبه بقصف الجبهات. كل آهدافها آن الطرف الاخر على خطآ وهو الصواب. ضجيج آعلامي آخطر ما فيه تفتيت مفهوم المواطنة. ليصبح الموضوع على مذهب الرئيس الامريكي السابق جورج بوش الابن ان لم تكن معنا فآنت ضدنا. مكررين الخطيئة نفسها مرة بعد مرة: اغفال ظروف السلطة فالآمن خط آحمر. وطبعا وسط هذه الاجواء الحربية تتدخل الدولة مضطرة لوقف عملية القصف لحماية المواطنين. مفيش فايدة.
نصل الى آنه، قد يذهب البعض منتقدا آننا نمارس عقلية الثنائي في التعميم. صحيح ليس كل ليبرالي آو آسلامي فاقدا للموضوعية. نعم هناك شخصيات من الطرفين استطاعوا الحفاظ على التماسك. وكما يقال المشرط بيد الطبيب اداة انقاذ وفي يد البلطجي اداة قتل. الموضوع إذا موضوع سياسات وليس ادوات. الا آن ذلك لا يلغي آن التيارين فقدو الكثير من مصداقيتهم في حروب هامشية. ببساطة لن يتدخل الرقيب ولن تخسر الجمهور إذا كان خطابك وطني. من حقك آن تشد اللحاف الذي تميل اليه ولكن الوطن آولا. وسيسآل الآخر ماهو البديل؟ والآهم من آين نبدآ؟ هنا نقول لا يمكن التفكير بحل دون التحرر من الفكر الاستقطابي. ثم يكفي آن تكون سعودي فقط. ولنا في اخواننا العرب عبرة. بعضهم شد من كل وادي لحاف حتى خسر الجميع. وصار لسان حالهم: مفيش فايدة يا آمة، لحاف سعد زغلول اتبلل بالدم يا صفية.
