لبناني حرّر الكويت بـ «الشورتات»

ليس كل رجل أعمال لبناني يتبع انتماءه الطائفي أو المذهبي، هناك تداخل كبير في رأس المال المتحرك بسلاسة بين جميع الطوائف اللبنانية وأحزابها، المقصود هو أن ممارسة التجارة شيء وممارسة السياسة شيء آخر في لبنان، التجارة اللبنانية كنشاط “ماركينتالي” عابرة للحدود ولها نشأة يمكن تتبعها منذ العهد الفينيقي. العهد الذي هيمن على تجارة حوض البحر الأبيض المتوسط قبل وجود كل الأحزاب اللبنانية اليوم.

يأخذنا الموضوع إلى شخصية التاجر اللبناني التي منها يمكن فهم حركة المال. من الطبيعي جدا أن تجد تاجرا يميني المزاج مشاركاً تاجراً يساري الأفكار أو متديناً أو علمانياً، ويقيمون شراكة منذ قبل احتلال إسرائيل لفلسطين، علاقة يتوارثها الأبناء، كما يمكن أن تجد مجموعة موظفين من أحزاب متنافسة عدة يعملون متحدين تحت سقف شركتهم لتحقيق الربح وإنجاز العمل، وإن كان ضد مصالح أحزابهم السياسية، على قاعدة أن “الاختلاف في الطائفة والحزب لا يفسد في الود التجارة”، هي القاعدة الذهبية لفهم حركة رأس المال اللبناني.

هذا لا يعني غياب المبادئ والأخلاق عند التاجر اللبناني، وإلا نكون نمارس العقلية نفسها في التعميم، هنا أقصد الشخصية اللبنانية التي بعقلها المرن والعملي تتفوق في ممارسة تدوير الزوايا، العقل الذي عند كل مطب قانوني أو سياسي يكون التكيف سمة حاضرة على الدوام، ميزة أيضا لها نشأة من حالة “لا استقرار” سرمدية في هذا البلد الصغير.

المهم، أنه لا يحلو وصف إلا بعرض قصة تعبر عن تميز هذا التاجر المشرقي.

القصة..

نحن في العام ١٩٩١، يوم كانت المنطقة العربية تعيش تداعيات ثلاثة زلازل سياسية: الثورة الخمينية في طهران، عاصفة كامب ديفيد (اتفاق السلام المصري – الإسرائيلي) والحرب الأهلية اللبنانية التي كانت تعيش آخر أيامها، لكن المنطقة كانت على موعد آخر، موعد أعاد ترتيب المنظومة كلها، حدث أعاد رسم خريطة أمنية وسياسية جديدة للمنطقة ومنها لبنان، أفرزت اتفاقات وشركات ومنظمات عابرة للحدود ومعها رجالاتها.

نحن قبل 30 سنة تقريباً، يوم غزا الرئيس العراقي صدام حسين الكويت محتلاً كاسراً كل الخطوط الحمر الدولية. على الفور، طالب الرئيس الأميركي جورج بوش الأب بانسحاب القوات العراقية من دون شروط ضمن مهلة زمنية، بعد انتهاء المهلة الزمنية الممنوحة لبغداد، دقت ساعة الصفر للتحرك. وخرجت كلمة السر من واشنطن لبدء التحرير. انطلق التحالف ومن خلفه مشاريع التموين. اندلعت الحرب الخليجية الثانية، حرب تحرير الكويت. بحشد أكثر من 500 ألف عسكري في تحالف دولي عريض بقيادة مشتركة عربية – أمريكية، وبمباركة سوفياتية، ليجد تاجر لبناني عتيق أنه الرجل المناسب في المكان المناسب. تاجر بيروتي الهوية ناصري عروبي الهوى يعرف من أين تؤكل كتف التجارة في أزمان الحروب.

ذهب يعد نفسه لمشاريع التوريد والتموين لجيش الـ”عم سام”، فقد استقرت معظم القوات الأميركية حيث يقيم في المنطقة الشرقية من السعودية، من أجل تلبية حاجياتها واستهلاكها الضخم، اعتمد الجيش الأميركي على الشركات المحلية.

توالت المناقصات من وزارة الدفاع الأميركية، لفت انتباه هذا اللبناني مناقصة ابتعد عنها معظم المنافسين، مناقصة تدعو الى توريد أكثر من 20 ألف شورت للجنود الأميركيين مع شرط فاقع، أن تكون البطانة الداخلية للشورت سوداء اللون بعكس ما هو دارج في عالم صناعة الملابس، أي أن تكون بيضاء اللون. لم يثن اللون الأسود عزيمة الرجل، فتقدم للحصول على شروط المناقصة. 20 شورتا تجريبيا قبل تعميده بالتوريد شرط مبدئي، وهو ما حصل. قفز الرجل على متن أول رحلة إلى دمشق المعروفة بصناعة أجود الملبوسات الداخلية في بلاد الشام وتحديدا في منطقة حلب، إلى الشام البعثي الذي كان عضوا في التحالف الدولي، وصل التاجر إلى سورية حاملا معه طلبية للجيش الأميركي. بعد أيام عدة حزم حقيبته وداخلها “العينات”.

بعد المعاينة من مكتب المناقصات الأميركي تم اعتماده بتوريد كامل الكمية. فرجع مرة ثانية إلى دمشق يحمل بيده عقداً قيمته ملايين عدة من الدولارات، قاصداً ثلاثة مصانع سورية. لم يفاوضهم على السعر، بل أجزاهم ضعف التكلفة، كيف لا وهو كان سيحصل على ضعف الضعف من العم السام، وعلى طريقة الكاوبوي في أفلام هوليوود، يدخل المقهى يطلب ما يحلو له ولمرافقيه من مشروب وغيره يدفع الثمن. ليورد الكميات المطلوبة لجنود التحالف الدولي تقدمة لبنان. يقبض هو ثمن تجارته ويستقيل إلى بلده القابع تحت الاحتلال الإسرائيلي في شطر لبنان الجنوبي.

يحكي هذا التاجر الذي قارب العقد السابع من عمره كيف شارك في حرب تحرير الكويت بكل فخر واعتزاز، وأنه اغتنم الفرصة التي قدمت له وحولها إلى ذهب. تغمره مشاعر النجاح في نشاطه التجاري داعياً في الوقت نفسه إلى هلاك من خرب سورية واحتل فلسطين ودمر العراق وقسم السودان، وعند سؤالي له إن كان أسهم في كل ذلك يجيب “التجارة يا ابني شيء والسياسة شيء آخر”.

Loading

اترك رد

اكتشاف المزيد من طارق فريد زيدان

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading