قضاعة من المنشأ الى التعريب:
قوم تأخذهم العزة بالمجد
(*) طارق زيدان
تذكرت هذه الأرومة العربية قضاعة وأنا في طريقي إلى الطائرة ـــ “دابة العصر الجديد“، كما كان يصفها جدي. وقف أمامي رجل أمن يحمل اسمه على صدره “البلوي“،فتذكرت يوم صاح أحدهم كما قرأت للمقريزي في كتابه “البيان والإعراب عما بمصر من الأعراب“.
“يا لقضاعة” صاح الشامي القضاعي البلوي. نعم من قبيلة بلي يوم كانت القبيلة تسكن الشام مع أبناء عمومتهم من قضاعة كجهينة ونهد والحاف. قالها صادحا فوصل صدى كلمته إلى الخليفة عمر بن الخطاب في المدينة المنورة، فكتب لوالي الشام يأمره بسير ثلث قضاعة الى مصر.
سبب تهجير ثلث هذه القبيلة الى مصر، كما يقول المقريزي،هو كسر التكتلات القبلية الكبيرة المتأتية من بطون عدة. فالعصبية من منظور الحاكم آنذاك، هي أقرب الى التنظيمات السياسية اليوم. لها قدرة على التنظيم والفعالية والاختراق والعمل السري. ليصبح تهجير القبائل إجراء سياسيا في التاريخ الإسلامي.
إلا أنه يمكن القول إن انتقال قضاعة من الشام الى مصر أدى إلى تشكيل أكبر تجمع قبلي يسكن أرض النيل قبل التغريبة الهلالية.
يأخذنا الموضوع الى نسب قضاعة. هذه القبيلة اختلف في نسبتها العلماء الى عرب الشمال (عدنان) أو عرب الجنوب (قحطان). ولكل من الطرفين مصادر معروفة تدعي صحة كلامه. هناك ابن حزم في كتابه “جمهرة النسب” يقول إن قضاعة بن معد بن عدنان، مشيرا الى أن بلادهم كانت متصلة بالشام واليونان.
أما وجهة النظر المقابلة، فلها من المتون ما يثبت عكس ذلك، ومنها قول الشاعر والصحابي عمرو بن مرة الجهني القضاعي:
نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر قضاعة بن مالك بن حمير
قضاعة بن مالك بن حمير النسب معروف غير المنكر
ومن الملاحظ أن المصادر المتاحة لم تستطع الفصل في هذه القضية (النسب)، ليتصل الخلاف عند اللغويين حول الموضوع. منهم من استشهد بعدنانية قضاعة لناحية لغتهم،ومنهم من رأى عكس ذلك، مفنداً أن لغتهم كانت شمالية مشوبة. اما الفريق الثالث كالفارابي، فقد رأى بعدم الاستشهاد بلغتهم قائلا “أكثرهم نصارى يقرؤون في صلاتهم بغير العربية“!
وعلى كثرة من دخل في هذا الجدل قديما وحديثا يغلب الظن على أن قضاعة من أصل جنوبي قحطاني المنشأ. تدل على ذلك الفحوصات الجينية الحديثة، حيث تبين أن قبائل قضاعة تتشارك في الكود الجيني مع أهل اليمن. وعلى الأرجح، فإن قضاعة هاجرت مع باقي قبائل الجنوب الى الشمال بعد انهيار سد مأرب. وأن لغتها قد تعربت حين سكنت بجوار أهل الشمال العدنانيين في بلاد الشام وتحديدا في مرحلة التطور إبان الدعوة الإسلامية في العصر الجاهلي.
فإذا أخذنا بقحطانية قضاعة، وهو الأرجح حسب تحقيقالعلامة حمد الجاسر، فإن نسبها يرتفع الى حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وفق قواعد التدوين. والمتواتر عن أل يعرب بن قحطان هجرتهم من جنوب الجزيرة العربية (اليمن اليوم) الى بابل في العراق، ثم الانتقال الى الصحراء حيث أخذوا من البيئة القاسية أهم الدورات التدريبية في القتال.
كذلك امدتهم الجغرافيا بقيمة مضافة، فالموقع الجغرافي للصحراء العربية الممتدة بين حدود العراق والشام وتخوم الجزيرة العربية هو طريق التجارة القرشية، وهو يمر ربطا بطريق الحرير الشهير الى أسواق البحر الأبيض المتوسط، وتحديدا عند ساحل سوريا ولبنان وفلسطين اليوم.
وعلى الأرجح اكتسبت القبيلة في هذه اللحظة التاريخيةالتطور اللازم لدخول موازين القوى كلاعب إقليمي يتميز بجيشه المحترف، ما جعل الخليفة عمر بن الخطاب يسير ثلثهم الى مصر درءاً لتعاظم قوتهم.
إضافة الى ذلك، كان اتساع نفوذ قبيلة بني كلب القضاعية في تلك الفترة طاغيا، وهم كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة (قبيلة الشرارات اليوم).تلك القبيلة كانت تسيطر على بادية السماوة وعلى الطرق المؤدية الى الشام، ونجحت في نسج علاقات وثيقة مع قريش قبل الإسلام حماية لتجارتها.
لاحقا، أحيا معاوية بن أبي سفيان هذه العلاقة حين كان واليا للشام في عهد عمر بن الخطاب، فكان أن توثق التحالف بزواج معاوية ابنة بحدل الكلبي من أحد زعماء قبيلة كلب فأنجبا يزيد، أي أن معاوية حكم الشام بسيف بني كلب.
هنا تبرز أحد أسباب اختلاف العلماء في نسب قضاعة. فقد اشتعلت معارك ضارية بين بني قيس عيلان (القيسي) وبني كلب (اليماني). نزاع سياسي قسم العرب الى فريقين (يبدو أن التاريخ يعيد نفسه!). وقد سعى كل فريق الى ضم القبائل الى صفه لا سيما القبائل القوية كبني قضاعة. فمنهم من التحق بحزب قحطان وأصبح جنوبيا ومنهم من التحق بعدنان فأصبح شماليا، وهكذا تحول الانتماء في السياسة الى انتماء للنسب، ما أدى إلى إختلاط الأمور على المدونين في مراحل لاحقة. أما قضاعة التي كانت في أرض أخرى، فلم يقع عليها هذا التأثير.
المهم، فقد خرجت قبائل جنوبية بإرادتها قبل التهجير القسري الى مصر. وقد ذكر المقريزي في كتابه أن أغلب من قدم مع عمرو بن العاص الى مصر هم عرب الجنوب ومن قبيلة جذام. ثم لحقت بهم موجات قحطانية وبعدها موجة قضاعة.
وما يثير الاهتمام أيضا هو انتقال جماعات كثيرة من عرب الشمال الى مصر. مما يشير الى العلاقة العضوية بين أرض الشام والحجاز وأرض النيل. فاستقروا في الكنانة على مراحل عهد الخلافة الإسلامية. مندمجين في السلطة بكامل أدواتها وامتيازاتها.
إضافة الى ذلك، في العهد الأموي سعت الدوائر الحاكمة في دمشق الى خلق توازن بين عرب الشمال وبين عرب الجنوب بسبب التنافس القيسي اليماني في بلاد الشام تحديدا. مما دفع بالحاكم الأموي هشام بن عبد الملك الى نقل قبائل عدنانية من الجزيرة العربية الى مصر، وبالأخص قبائل قيس عيلان الكبيرة العدد والمتمرسة بفنون الحرب.
لكن يبقى من أثر قضاعة المصري الكبير، هجرة إحدى قبائلها العريقة. فلقد عرفت مصر في العهد الفاطمي موجتين بشريتين عربيتين تركتا أثرا كبيرا في تعريب مصر والسودان، وهما هجرة بني هلال القيسية العيلانية وهجرة جهينة القضاعية.
وعرب جهينة (جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة) الذين ينتسب إليهم الكثرة الكاثرة من قبائل السودان العربية وصعيد مصر، فقد نقلوا بقرار سياسي شبيه بالقرار الذي أدى إلى نقل بني هلال على أثره.
الجدير ذكره أن جهينة القبيلة العظيمة سكنت في بلاد قريش قبل أن يخرجها عسكر الفاطميين الى بلاد أخميم أعلاها وأسفلها حسب المقريزي. هناك شكلوا إضافة كبيرة كعنصر عربي في بلاد النيل.
غير أن التحول الكبير حدث في العهد العباسي وتحديدا في خلافة المعتصم. حين انتقل اعتماد الحكم من العرب (البدو تحديدا) الى العناصر غير العربية، ما أفقد العرب دورهم في السلطة كطبقة عسكرية، وإلى تفكك الدولة العميقة عندما حرم العرب من استلام رواتبهم من الدولة. مما أدى الى توطين الكثير من القبائل العربية في الصعيد الريفي، فاحترف بعضهم الزراعة (مسكن واستقرار) بعيدا عن منطقة النوبة. هذه الأخيرة ظلت موجات التعريب بعيدة عنها منذ بزوغ الإسلام نظرا لوجود مملكة قوية عاصمتها “دنقلة” في السودان اليوم. لا بل وقفت حركة التعريب عند حدودهم بموجب معاهدة عقدت سنة ٦٥١ه عرفت باسم “البقط” (كلمة لاتينية الأصل تعني التعاهد).
إلا انه في النصف الثاني من القرن الرابع عشر ميلادي تجاوز عدد كبير من القبائل العربية حدود النوبة جنوبا حيث أخذت فيها جهينة القيادة حتى سادت في الحبشة وأطرافها.
ومن أثر التعريب لتلك المنطقة ما نشاهده من التجمعات السكانية في السودان باسم رفاعة والكبابيش ودار حامد والبقارة في كوردفان ودارفور تنسب نفسها الى جهينة. تجدر الإشارة الى ان هذه التجمعات انما نتجت عن اختلاط القبائل العربية المهاجرة بالسكان المحليينكالعجليين وغيرهم.
في الخلاصة، لا يمكن لمن يقلب التاريخ العربي إلا أن يمر على صفحات قوم كبير من العرب اسمهم قضاعة (اليوم هم قبائل حرب وجهينة وبلي ونهد وبني زيد والشرارات وغيرهم). هؤلاء القوم الذين طبعوا بصمتهم في الجزيرة العربية: المنشأ. وتركوا أثرهم في الشام تطورا، ليسجلوا مجدهم في مصر والسودان تعريبا. هؤلاء قوم تأخذهم العزة بالمجد والحسب. تكفي متابعة السرديات والقصص التاريخية لمعرفة حجم أثرهم في مجلدات ماضينا. حينها يصبح الاهتمام بالأنساب أمرا ثانويا.
![]()

اجزلت بالكلام اجزل الله مثوبتك لكن لدي تعليق عن قبيلة كلب القضاعيه فهي( ليست الشرارات اليوم) ولم يبقى منهم الا فرع الكلبي في جهينه وغالبهم هاجر وتشتتوا بعد سقوط الدولة الامويه حتى كما ذكر في الكتب ان منهم خلق كثير في القسطنطينية والاندلس اما الشرارات نسبهم الجاسر لقضاعه تخمينيا ولاسباب اخرى فكان الاولى ان ينسب قبيلة الرولة الى قبيلة كلب فهم يقطنون ديار كلب في ديار الجوبه امتدادا الى تدمر لكن الناس مؤتمنون على انسابهم وشكرا