في ظل التاريخ: القحطانية السياسية (الجزء الثاني)

في ظل التاريخ: القحطانية السياسية (الجزء الثاني)

(*) طارق زيدان

نجا آل يعرب بن قحطان من الكارثة. ثمّ انتشروا في أربعة أصقاع العالم العربي عبر تنفيذ خطّة سياسية ساحرة. ظنّوا أنّ التاريخ قد أنصفهم فارتاحوا وتمدّنوا في دولهم الأربع الجديدة، مقتنعين بأنّ المنافسة العربية ـــ العربية قد حُسمت لمصلحتهم.

أسند القحطانيون عقولهم المرهقة إلى كتف التاريخ العريق، ورأَوا أنّ قصة نجاتهم قصة عبور لأمّة بكاملها، وأنّه بذلك يتحقّق لهم التفوّق التاريخي.

تجسّد ذلك الشعور بالتفوّق في إهمال آل يعرب مبدأ حركة التاريخ، فقد بدأ العقل السياسي القحطاني يعمل ليحكم فقط. يعمل في السياسة في ظل لعبة الأمم الدائرة بين الفرس والبيزنطيين.

اهتمّ ملوك الغساسنة والحيرة بتدعيم سلطتهم من دون استقلال ناجز أو حرية مطلقة أو حتى سيادة تساند التنافس المرير بينهما، في مقابل حكّام يثرب ومكّة، الذين اتخذوا النأي بالنفس سياسة، فأصبح بنو قحطان أكثر قرباً إلى الجغرافيا وقوانينها، مبتعدين رويداً رويداً من التاريخ وأحكامه.

ومن يتابع السردية العامة سيجد كيف تفاقمت نزعة التفوّق هذه مع الصعود المستمر لآل قحطان في الميادين الحربية والاقتصادية كقادة جيوش وأصحاب مصالح إقليمية. ترافقت هذه النزعة مع إهمال فاضح للفضاء الإعلامي العربي من الناحية الرقابية، تاركين إياه لغيرهم من العرب قاطني الصحراء. عندئذٍ أصبحت الساحة الإعلامية ملك أعراب يتكلمون العربية بلسان فصيح وخيال واسع، فملأ آل عدنان الفضاء الإعلامي بقصصهم وبطولاتهم بمبالغة شديدة.

إهمال لم يستدركه قادة آل يعرب بالرغم من رياح التغيير المتعدّدة التي هبّت على المنطقة لفترة زمنية مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط. تحوّلات جذرية امتدت ما بين القرن الخامس الميلاديّ والسابع الميلاديّ، لم يلتفت العقل القحطاني لها وهو المنغمس في حرب العروش.

امتدت الفترة حتى ظهور الدعوة الإسلامية. والإرهاصات التي سبقت رسالة النبي محمد بن عبد الله القرشي العدناني صلى الله عليه وسلم أعادت رسم خريطة المنطقة سياسياً وتراثياً، بحسب ما نقلته إلينا المراجع في المكتبة العربية.

أولى تلك التحولات: الانقلاب الكبير

حدث هذا الانقلاب حين خرجت مدينة مكّة من دائرة النفوذ القحطاني إلى العدناني، بعدما قبض قصيّ بن كلّاب القرشي (الجدّ الخامس للرسول صلى الله عليه وسلم) بيده على مفاتيح البيت الحرام، وقلب موقعها على الخريطة، وما تلى ذلك من تموضع لقبيلة قريش العدنانية في الجغرافيا الاقتصادية كمركز مالي تخطّى الحدود القبلية.

تحوّلت مدينة مكّة إلى مركز إقليمي مالي كبير مع تفعيل أحفاد قصيّ رؤيتهم السياسية المعروفة بالإيلاف (الإخوة هاشم والمطّلب ونوفل وعبد شمس أبناء عبد مناف بن قصيّ بن كلاب) التي ذُكرت في القرآن الكريم في سورة قريش “لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف”، ثمّ ما أفرزته تلك الرؤية من زعامة لقريش على البادية، وريادة دبلوماسية وتراكم للخبرات، والأهم تحالفات قبلية الشكل، سياسية المضمون، وفّرت لهم الصعود السلس من رتبة لاعب احتياط إلى لاعب أساس في مصير المنطقة.

ثانيا: الضغط القبلي

لم يلتقط العقل القحطاني التحوّلات الديمغرافية الكبيرة على تخوم الجزيرة العربية. فمع وصول طلائع قبائل عدنان وسيطرتهم على الحدود أُضيف ضغط بشريّ هائل على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، انعكس على التركيبة الاجتماعية للقبائل، فقد سعى كل من القوى الإقليمية في الحيرة (المناذرة) والشام (الغساسنة) إلى استقطاب القبائل لمحورها، ما أدّى إلى تقسيم القبائل إلى ثلاث طبقات بحسب موقعها من الصراع. طبقة اللقاح مثل قبائل تميم وأسد وغطفان، التي كانت لقاحاً لا تدين للملوك، أي إنّ أفرادها كانوا مستقلّين في علاقتهم مع ملوك الحيرة.

ثم طبقة الموثّقين، وتضمّ هذه الطبقة قبيلتي سليم وهوازن وما تناسل منهما، الذين كانوا يواثقون ولا يدينون للملوك، ويقيمون العهود مع ملوك الحيرة والغساسنة مع الاحتفاظ بالإدارة الذاتية. والطبقة الثالثة والأخيرة هي طبقة التابعين، وهم مَن سلّموا سيادتهم واستقلالهم بأمر ملوك الحيرة، ومعظمهم كما ذكرت المصادر من قبائل ربيعة الفرس. بالنتيجة شارك معظم آل عدنان في الصراع الإقليمي كمقاتلين، ما أكسبهم القوة اللازمة لفرض موقعهم السياسي كشريك في مصير المنطقة.

ثالثا: كسر توازن الرعب

هي المعركة التي قلبت موازين القوى الإقليمية لمصلحة الغساسنة. الموازين التي حكمت المنطقة بحساب دقيق بين الغساسنة والمناذرة تحطّمت على أبواب الشام بالقرب من مدينة تدمر. دارت المعركة التي سُجّلت في كتب السيرة وضُربت بها الأمثال بغرض إخضاع القبائل العربية في إقليم السراط.

عُرفت بيوم حليمة، ومنها جاء المثل العربي الشهير “ما يوم حليمة بسر”. فحليمة هي ابنة الحارث الأعرج الغسّاني ملك الشام. وحليمة هو يوم من أشهر أيام العرب قبل الإسلام، الذي انتصر فيه الغساسنة على المناذرة. والسر الذي لم يلتقطه القحطانيون هو أنّ حروب الوكالة قد انتهت بعد الإخلال بقاعدة توازن الرعب، ما استجلب الفراغ.

رابعا: الفراغ الاستراتيجي

وُلد الفراغ من رحم هزيمة المناذرة في يوم حليمة، فقد استدعت الهزيمة التدخل الساساني (حكام بلاد فارس) المباشر. بلغ التدخل العسكري ذروته مع احتلال جيش أبرويز الساساني قلب العروبة النابض دمشق، مُنهياً بذلك النفوذ الغساني على نحو حاسم، ما أدخل المنطقة في دوّامة الفراغ الاستراتيجي بعد انهيار المنظومة الإقليمية كلها، فاتحاً الباب أمام التدخل الخارجي على مصراعيه، ومفاقماً ابتزاز القبائل العدنانية لملوك الحيرة، تحديداً بني تغلب، الذين لجأوا إلى الغساسنة أثناء مطاردة ملوك الحيرة لهم.

هي المرحلة التي عمّت فيها الفوضى والقتل والسرقة مع غياب الأمن الإقليمي والأمن العشائري المتأتّيين من قوة الخارج. تضفي السيرة على تلك المرحلة عنواناً غير دقيق معرَّفاً بالجاهلية.

خامسة تلك التحولات العاصفة على المنطقة والأكثر حضوراً في متن التاريخ: اللغة العربية

اللغة هي الأداة التي استُخدمت لكتابة تاريخ عصر ما قبل الإسلام. وتَرافق الصعود الصاروخي لدور اللغة العربية في بناء الشرعية وصناعة الرموز مع التغيير الإقليمي الحاصل وقتها.

هذا المؤشّر الذي لم يعتنِ به آل قحطان باعتباره كلاماً فقط حسم التفوق التاريخي لمصلحة عدنان. ففي غفلة واضحة للفرق بين الأدوات والسياسات فقدَ آل يعرب بن قحطان أقوى عناصر القوة لدى دولة في عصر ما قبل الإسلام: الشعر. الشعر والنثر في ذلك الزمن كانا سياسة لا أداة فقط. الأدهى من ذلك كلّه أنّ الغساسنة هم من استخرج حروف اللغة العربية من اللغة النبطية!

بحسب السردية والمراجع يَظهر لنا عدم التقاط العقل القحطاني لتلك المؤشرات، تحديداً في اللحظة التي كانت الجزيرة العربية تغلي فيها بظهور الدعوة الإسلامية.

في الأخير

يمكن فهم التنافس بين المناذرة والغساسنة من خلال شخصية الصراع السياسي على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، إلا أنّه لا يمكن تبرير عدم اهتمام هاتين الدولتين بتأثير الجزيرة العربية في هذا التنافس الذي امتد لأكثر من ستمئة عام، علماً أنّ دعوة الرسول صلّى الله عليه وسلم استمرت ثلاث عشرة سنة في مرحلتها الأولى في مكّة قبل الهجرة إلى يثرب.

ما يستدعي الكثير من الأسئلة.

مثلاً لماذا لم يتعاون آل يعرب بن قحطان مع بعضهم بعضاً عند ظهور الدعوة الإسلامية، التي تجسّدت فيها كل عناصر التفوّق القبلي والسياسي والاجتماعي؟ ولا سيّما أنّ للغساسنة والمناذرة علاقات تجارية ومصالح إقليمية مع أمراء قريش المعارضين للدعوة النبوية؟

ولماذا لم يجتمع أهل العراق والشام تحت راية قحطان، كما فعلوا بعد قيام الدولة الإموية؟

وأين العقل السياسي الحاكم لتلك الدول من مهمة كتابة التاريخ؟

ثمة غياب فاقع لعقل سياسي اسمه قحطان، مع غياب أكثر وضوحاً لقحطان الرمز في تلك المرحلة من تاريخ ما قبل الإسلام، ما يطرح صدقية علاقة النسب بين حكام الحيرة والشام، بين المناذرة والغساسنة. في حين لم يتواتر في كتب التراث تنافس بينهما بشأن أسبقية الانتماء في النسب أو اللغة نصل إلى نتيجة: أنّ العقل القحطاني كأيديولوجيا قومية لم يكن قد خُلقَ بعد.

أيضا ومن خلال سياق الأحداث كما ذُكرت في المراجع، فإنّ هناك ما يُشير إلى أنّ هذه القحطانية السياسية تنتمي إلى عصر ما بعد الإسلام تحديدا في بداية العهد الأموي.

نصل الى الاستنتاج أنّ قحطان الرمز لم يكن قد خُلق بعد في عصر ما قبل الإسلام، وأنّ قحطان الشخص رجل من الجزيرة العربية ضُخّم دوره في التراث لأغراض سياسية، فامتزج الخيال مع الحقيقة، وركّز المؤرّخون على الشخصية لا الشخص، فوُلد الرمز الذي تناسب مع سلطة بحاجة إلى شرعية الوراثة ودعم قبائلي معيّن، لتصبح النتيجة أنّ الحاجة السياسية هي التي مهّدت للظاهرة القحطانية.

تطوّرت هذه الحاجة لاحقاً إلى أيديولوجيا، أو فلنقُل تأدلجت هذه الظاهرة مع التحديات التي واجهت العرب، وقد تزامنت عناصر متعددة: الصراع على السلطة والفراغ في القوة، عندئذ هي حكاية قحطان، أو حكاية أبو العرب، أو حكاية الدولة الأموية عند الولادة، كلّه سيّان!

(*) في الجزء التالي: الظاهرة العدنانية سيرة ونسب ورمز

Loading

اترك رد

اكتشاف المزيد من طارق فريد زيدان

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading