في ظل التاريخ

في ظل التاريخ

المقدمة

لا أعرف سبباً محدَّداً لاهتمامي بتاريخ القبائل العربية وسِيرِها التاريخية، بقدر ما أعرف متى بدأ هذا الاهتمام. فأنا ما زلت أذكر جيداً تلك اللحظة التي ومضت في عقلي، وأشعلت شغف البحث والمتابعة لديّ.

كنت طفلاً على مقاعد التعليم، مشاركاً زملائي الطلاب في رحلة مدرسية إلى درّة النفط العربي، شركة أرامكو السعودية. يومذاك وجدت نفسي منجذباً نحو مكتبة الشركة الكبيرة بالحجم، والغنية بالكتب. انسللت من الفصل خلسة، وتسللت بين الممرّات، ثم جلست على أرض المكتبة مسنداً ظهري إلى أحد الرفوف.

هناك وقعت عينايَ على كتاب كأنه يناديني من بين زملائه المصفوفين. جلست أسمع ضجيج صوت عنوان الكتاب ذي الكلمتين في رأسي “الأعلام” للزركلي. وهو قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء العرب والمستشرقين، ويقع في ثمانية مجلّدات، وقد قضى مؤلّفه خير الدين الزركلي ستين عاماً في تأليفه.

بعدئذٍ شرعت أَلتهم الكتاب كأنني جائع معرفيّ. أغرف منه ومن غيره من الكتب المجاورة له في قسم التاريخ والأدب من المكتبة العامرة ولثلاثة أيام، وهي مدة الرحلة المدرسية. لتستمر معي حالة المتابعة والقراءة من دون ارتواء حتّى اليوم.

منذ تلك اللحظة، ومن تَينِك الكلمتينِ ولجتُ إلى عالم كبير. ولجت إلى تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده، متنقّلاً من كتاب إلى آخر، سابحاً بين تيارات فكرية متعدّدة في قراءة التاريخ. بين المنهجين التقليدي والحداثي. أبحرت بين المراجع التقليدية، كابن خلدون في مقدمته، وابن حزم الأندلسي في جمهرة النسب، والسويدي في سبائك الذهب، وابن فضل الله العمري في كتابه مسالك الأبصار، وسيرة ابن هشام وغيرهم ممن أثروا مكتبتنا العربية. أما رواد النهج الحديث، فقد قرأت لهم مؤلفات متعددة، كالعميد طه حسين، والمؤرّخ جواد علي والدكتور علي الوردي، وصولاً إلى الجيولوجيّ والجغرافي جمال حمدان.

بينما في الحياة العامة وجدتُ أن هذا العالم، تاريخ العرب، المليء بالقصص والتاريخ والشعر، الذي هو منهل الباحثين عن المجد والمعرفة، وجدتُ أن التشويق يطغى على التوثيق فيه. منها أن السرد القصصي ركّز على إعلاء دور الفرد في حركة التاريخ. ومنها أيضاً اعتماد الرواية الشفهية التي لا تحظى باعتراف الأوساط الأكاديمية، إذ ما زال غالبية المشتغلين في علم التاريخ يعتنقون مقولة المؤرخ الألماني ليوبولد فان رانكه “لا تاريخ بغير وثائق”.

بين المكتوب في المراجع والشفهي في الحياة العامة وقفت أمام عالم منقسم على نفسه بين الحقيقة والأسطورة. وكأنّ هناك عالمين لتاريخ العرب. في هذا العالم هناك تحيز فاضح لبعض المؤرخين في قضايا خلافية، وهو تحيز مقبول علميا بحسب المؤرخ الإنكليزي إريك هوبسباوم. يقابله تمسك قوي للعامة بالرواية الشفهية. ما عزز الخلاصة التي تفيد بأن التساؤل يتكرّر في هذا العالم من دون إجماع على الإجابة، وخاصةً في العصر الحديث، حيث أنّ التطوّر التكنولوجيّ، وفحص الآثار الأركيولوجية، دحضا الكثير من الموروث الثقافي، مساهما في تعزيز التراث كآلة تقييم.

لا شك في أن لكلّ أمّة نصيباً من المجد. هذا المجد تستقيه الشعوب من تراثيها المكتوب والشفهي مع ميل واضح نحو التاريخ الشفهي، كما يصفه المفكر اللبناني منح الصلح، إلا أن اختصار التاريخ وحركته في ظل عمل فردي أو تحت راية محددة أمر يجافي المنطق.

باستثناء الأنبياء والرسل، الوقوف أمام أمجاد الأمة من دون استنباط للتاريخ أمر يبحث عن التقييم لا القيمة، وهو ما يناقض طبيعة الحياة. فالتراث بذاته قيمة حضارية لا تقييم طبقي. هو قيمة تنمو كنبتة لها جذر وتحتاج إلى سقاية، في حركة نمو مستمر تدعى صيرورة الحياة.

هي صيرورة الحياة التي يُغفلها بعض الباحثين عن المجد من دون المعرفة، حيث تكثر عناصر التفجير لقواعد التدوين المتّبعة، مخرجةً أصحابها من جنّة العرف إلى جحيم المعرفة، ومعرّضة حياتهم الاجتماعية إلى الانقلاب رأساً على عقب. وهذا التقلّب في الحياة وهميّ ولا قيمة له. فحركة التاريخ أقوى من التاريخ المدوّن.

أصلا هذا التقلّب لا يقبله التاريخ نفسه، لأنّ صيرورة الحياة صدرها واسع، لا تحكم ولا تحاكم، والتاريخ هو ظل الحياة الإنسانية، ويعكس المدوّن والقارئ بكل الأعراق وكل النيات. وللباحث عن المجد فقط أقول: لن ينال أحد منا المجد من التاريخ حتى نتفكّر في ما نحبّ ونكره. وحدها المعرفة هي الحصن الحصين عند عبور هذا الخيط الرفيع من رحلة الحياة. هي الرحلة التي لا بدّ أن يخوضها كل إنسان مدفوعاً بغريزة البحث عن الهوية والذات.

بدوري خضت رحلة العبور بكل انفتاح عقلي. كتاباً من بعد كتاب، ومتابعة من بعد متابعة، من دون الاقتراب من خط النهاية. لتتحوّل المسيرة إلى رحلة فكرية طويلة بلا محطة وصول، عندئذٍ تساءلت إن كنت قد أضعت البوصلة. اكتشفت أنه في هذه المسيرة، أي قراءة التاريخ، ما من نقطة بداية ولا نهاية، ما حفزني على سلوك تيار فكري يبحث عن الدلالات الرمزية للأحداث التاريخية.

تيار أخذ المؤرخ والفيلسوف الألماني أرنست كاسيرر المقدمة فيه بكتابه “فلسفة الأشكال الرمزية”. وهو الذي اشتهر كواحد من أبرز أساتذة الفلسفة النقدية الكانطية في القرن العشرين. كذلك نهج الشاعر الفرنسي ستيفان ملارميه الذي يعتبر من الرواد في تيار الرمزية الفلسفية. حيث يعرف الرمزية ملارميه بأنها فن إثارة موضوع ما بالتدرج. على أنها فن اختيار الموضوع وتفريغ المقابل العاطفي منه حتى تنكشف الحالة المزاجية المشكلة له.

بهذا النهج جمعت هذا الكتاب باعتبار أن الرموز فن تعكس الأفكار والأحداث التاريخية والعواطف الإنسانية من دون وصفهم مباشرة أو مقارنات ملموسة. مفرغا الرمزين العدنانية والقحطانية في التراث ومعه الصراع القيسي اليماني في السيرة من الجمود تحت راية للنسب فقط. والبحث عن الرمزية السياسية في صناعة التراث. متخذا من المكتبة العربية، نثرا وشعرا، حديثا وتقليديا، والموروث المتواتر من الأجداد بوصلة. بوصلتي هي المصادر التي يجري الاستناد إليها، المراجع التي زخرت بها المكتبة العربية.

في هذا الكتاب ستة فصول تحكي عن العرب قبل الإسلام وحتى العصر العباسي. تحكي عن رحلة “العروبة السياسية” بكل أفرعها في التاريخ عبر الزمن، منذ القرن الثالث ميلادية وحتى القرن العاشر ميلادية. اتناول فيها قصة صعود الرموز القبلية كتكتلات وأحزاب سياسية.

مستنداً إلى منهجية المؤرّخ إريك هوبسباوم في قراءة التاريخ، أو “التاريخ الاستطلاعي” كما يوصف، وهو المنهج الذي يستشرف الحاضر بقراءة متعمقة لواقع المجتمع في الماضي، ومتكئاً أيضاً على فصل في كتابه المعنون “في التاريخ”، الذي يردّ فيه على زميله المؤرخ لورانس ستون حين انتقد عودة “القص التاريخي” (السرد القصصي) بعد أن كاد يختفي في القرن العشرين.

كذلك سعيت إلى ربط الأحداث التاريخية بالبيئة السياسية والأحداث المفصلية التي عاشت فيها القبائل العربية في فصلين من الكتاب. محاولا ربط صعود الرموز مع الأحداث التأسيسية في التراث العربي. واستطردت في الإسقاطات الحديثة لناحية ربط فكرة الدلالات الرمزية بما يجري اليوم من تحديات في الفصل الأخير “الخروج من الظل”.

في هذا الفصل أردت الغوص أكثر في ما يسمى صناعة الرموز السياسية وعلاقتها بالتاريخ والجغرافيا. رموز لا يزال العرب ينقسمون معها وحولها. وهم في السرد القصصي بشرا مارسوا السياسة والسلطة بأدوات عصرهم. أما في التراث غدوا رايات اختزلت الأحداث والأنساب والأحلام القومية أحيانا. لأجل ذلك أطلقت عليهم لقب “العروبة السياسية”.

ما دفعني إلى هذا العمل هو المعرفة. ومن هذا الباب المعرفي جمعت هذا الكتاب، الذي هو عبارة عن مجموعة رسائل، لا أبحاث أو دراسات، متّخذاً من المراجع بوصلة. وقد أشرت إلى المراجع التي استندت إليها بحسب القواعد الأكاديمية، وبما تقتضيه حرفة الكتابة من أمانة ودقة. فأنا أضع بين يدي القراء نصاً لهم أن يغرفوا من إناء التراث والسيرة ما شاء من خلاصة. المهم التحفيز على التفكير لا سرد الأفكار.

أيضا وجدت أنّ استنباط الأحداث في المراجع على نحو قصصي يحفّز العقل للتفكير، مشرّعاً الأبواب المعرفية البحثية، وموصِداً باب العصبية والجمود. وأيقنت أنه حتى الظل له معنى في التاريخ. وهو ما دفعني أكثر إلى إنجاز هذا العمل. ومنه عنوان الكتاب.

والأهم ما وجدته من دافع في الحديث النبوي الشريف “اعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف”. وجدتُ في حديث الرسول الكريم دافعاً يشرعن ما ذهبت إليه في قراءتي للتاريخ، حيث أن جنة المعرفة تحت ظل التاريخ كما أزعم. وأن الثوابت الدينية هي من تضفي الشرعية على التاريخ وليس العكس كما يدعي البعض.

ثمة دافع شخصي لهذا العمل أيضا. ففكرة المشروع انطلقت من تحفيز زوجتي رازن مصطفى ناصر لي. حينما كنت منكفئا في الحديث عن تاريخ قبائل العرب والرموز القبلية السياسية، وجدتها تدفعني الى خوض التجربة بحماسة وتشجيع. إذ هي من أطلق شعلة هذا الكتاب للنشر.

كذلك الفضل الجزيل للأستاذ حسين محمد بافقيه. المفكر والباحث الذي يستل من خزانة التراث أهم الوثائق والرسائل في محادثة تلفونية. لم يبخل بمشاركتها معي ومع الفضاء الثقافي العربي الأوسع.

أما شعلة المجد، فليطمئنّ قلب كل باحث في التراث عنه. بعد أن وصلت الى خلاصة أن الشعلة تمرَّر من قوم إلى قوم مدوَّنة في المراجع بحسب الحدث وتفاعله مع ذاكرة المدوّن، فيصبح أكرم القوم عند التاريخ أكثرهم قراءة له لا اختلافا عليه.

طارق فريد زيدان

Loading

اترك رد

اكتشاف المزيد من طارق فريد زيدان

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading