عزيزي فوكوياما.. إنها نهاية باكس أميركانا

هل بدأ العد العكسي لنهاية الوصاية الأميركية على أوروبا؟

منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، قبل أقل من سنة، وحتى الأمس القريب، خاطبتنا أوروبا بلغة جديدة تجعلنا نتأمل بالكثير من المبادئ والنظريات التي حفل بها النصف الثاني من القرن الماضي ومحورها النظام العالمي الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية بقيادة واشنطن، هو نفسه التحالف الذي ظل يتسع جغرافياً حتى أصبح اليوم يمتد من جبال الأورال الأوروبية في الشرق (تجسد سلسلة الجبال الخط الفاصل بين آسيا وأوروبا) وحتى جبال الروكيز في عمق القارة الأميركية الشمالية في الغرب، وأقصد هنا بالجغرافيا التكتل الذي يجمع الدول في إطار سياسي واحد وليس بالمفهوم الثقافي المستمد من الحضارة الرومانية – الإغريقية والمسيحية الغربية.

بدا واضحاً من خلال هذا الخطاب الأوروبي وتحديداً الفرنسي غير المألوف من قبل أن القارة العجوز تريد حماية شركاتها من احتمال تعرضها للعقوبات الأميركية إذا استمرت بالعمل في إيران، على قاعدة حرص الأوروبيين على عدم الخروج من التفاهم النووي الذي صادقت عليه الأمم المتحدة، لا بل ذهب الألمان بلسان مستشارتهم السابقة أنجيلا ميركل حد القول «انتهى الزمن الذي كانت الولايات المتحدة تحمينا فيه بكل سهولة، ويجب على أوروبا أن تأخذ مصيرها بيدها وفي ذلك تكمن مهمتنا في المستقبل»، لتتوج هذه المواقف بإعلان رئيس فرنسا ايمانويل ماكرون غداة الاحتفال بمئوية الحرب العالمية الأولى بتصريح عابر للقارات، قال فيه بالفم الملآن: «علينا في أوروبا إنشاء جيش أوروبي لحمايتنا من الصين والروس والأميركيين».

لا شك أن الحرب الباردة التي شهدها القرن الماضي (1945 – 1991) بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي تركت أثرها الكبير على الأفكار والقيم والسياسات وحدود الدول ومصائر الشعوب وأحلامها المستقبلية، نظريات وأيديولوجيات وثورات عصفت بالكون وحركت الشعوب وغيرت الجغرافيا والمعادلات، ولقد كان للعرب نصيب من كل ذلك وأكثر، نتيجة لهذا الصراع البارد بين السوفيات والولايات المتحدة، تمحور الانقسام العالمي بين «فسطاطين»: غربي وشرقي. حينذاك، ساد مفهوم يدّعي أن أميركا هي الدولة الوحيدة التي تملك القدرة على إحلال السلام في العالم، وأن قوتها العسكرية وتفوقها التكنولوجي يعطيها قيمة أخلاقية لهذا الدور القيادي، الدور الذي سمي بـ «باكس أميركانا» أسوة بدور روما في السابق والذي لقب بـ «باكس رومانا»، وقد نظر لهذا الدور العالم والمؤرخ الأميركي رونالد ستيل في كتابه «باكس أميركانا» الذي صدر عام ١٩٦٧، ويشرح فيه كيف أن السلام لن يعم العالم إلا في ظل الإمبراطورية الأميركية، لتتفرع منها نظريات عدة تحكي عن العولمة والقرية العالمية وغيرها.

عند انهيار الاتحاد السوفياتي في ١٩٩١، بدا وكأن النبوءة الغربية قد تحققت. فذهب الكثير من المراقبين للتنظير لما سمي النظام العالمي الجديد، ومن بين هؤلاء العالم الأميركي فرانسيس فوكوياما الذي اعتبر أن التاريخ انتهى بحسب عنوان كتابه الشهير «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» الصادر في ١٩٩٢، ويجادل فيه بأن انتشار الليبيرالية والرأسمالية والسوق الحرة اقترب من نقطة النهاية للتطور الإنساني.

أطروحة نظرية تقوم على أساس أن الديموقراطية الليبيرالية بقيمها (الحرية والمساواة والفردية) تشكل مرحلة نهاية التطور البيولوجي للإنسان، وبالتالي عولمة الديمقراطية الليبيرالية كصيغة نهائية للحكومة البشرية. بمعنى آخر، أن النموذج الغربي انتصر على جميع النماذج المنافسة، وعليه لا داعي لمقاومته، وبالتالي لا بد من وصاية أميركية كاملة على الكوكب.

ولسنين طويلة بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية (أميركا والاتحاد السوفياتي وبريطانيا وفرنسا) وحتى بداية التهابات الربيع العربي في ٢٠١١، وتحديدا الصراع الدولي على أرض سورية وإسقاط الناتو للرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، جسدت ضفتا المحيط الأطلنطي شعار وحدة المسار والمصير، وكأنهما يشكّلان «أمة غربية واحدة ذات رسالة خالدة»، لكن شيئا ما قد تغير.

فالتصريحات الأوروبية الأخيرة تناقض النظريات المتداولة، صحيح أن الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي انتهت بانهيار الاتحاد السوفياتي، وأن الخطر الشيوعي انحسر إلى كتب التاريخ وهو يصارع للبقاء في كوريا الشمالية وكوبا وفي أذهان بعض اليسار العالمي، غير أن التصريحات المتتالية من عواصم أوروبا توحي بأن الوصاية الأميركية على أوروبا غير مرحب بها، وأن الفجوة السياسية بين الضفتين تبدو اليوم أكبر من عمق المحيط الفاصل بينهما. فجوة كرستها صراعات الشرق ولاجئوها وبروز مارد آسيا المتربص (الصين)، وقيصر موسكو القابض بيديه على المياه الدافئة التي لطالما حلم بها أسلافه السوفيات.

ولعل أفصح من عبر عن هذه الفجوة هو الرئيس الأميركي دونالد ترمب حين وصف أوروبا بـ»العدو»!

لنصل إلى أننا أمام فصل تاريخي جديد يلعب على المسرح ذاته قبل 100 عام: أوروبا أمام نظريات تتهاوى وتتكسر كأمواج البحر على ضفتي الأطلنطي.. أمواج تضرب المصالح والسياسة معلنة أن التاريخ لم ينته بعد.. أمواج تضرب بقوة الطبيعة وبشعار «نهاية باكس أميركانا يا عزيزي فوكوياما».

Loading

اترك رد

اكتشاف المزيد من طارق فريد زيدان

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading