عالم الزيدان الطفل

عالم الزيدان الطفل………

كان العالم العربي كله في حالة غليان.  يضاف اليها حالة الفوران عند القوى الدولية المتصارعة. هي لحظة مخاض للمنطقة والعالم.  للمنطقة هو لحظة انتقال من العصر العثماني وبكل ما حملته والى عصر ما بعد الحرب العالمية الآولى. ولادة دول ونعي امبراطورية

وآما للعالم ولادة نظام دولي جديد.  ومعها دول عظمى.

يومها دق القيصر الروسي نيكولاي الآول آول مسمار في نعش الدولة العثمانية حين وصفها برجل أوروبا المريض عام ١٨٥٣م.  حينها دعى القيصر ملك انجلترا الى المشاركة في تقاسم ممتلكات الدولة.  ذلك بعد الهزائم التي تكبدها الاتراك من الدول الأوروبية وخسارتها الكثير من الأراضي.  حصار اقتصادي واثارة مسألة الأقليات سلاحان وجها للدولة العثمانية من قبل اعداءها المتربصين في أوروبا.  وحتى الدستور العثماني العام الجديد، التقدمي وقتها، والذي صدر عام   ١٨٧٦م لم ينهي محاولات حصار نفوذ الباب العالي.

 لم يعد الباب العالي لبعض العرب كبيرا.  لا في الحكم ولا في النفوذ.  ومنذ الانقلاب الدستوري في إستانبول وعلى يد جمعية الاتحاد والترقي عام ١٩٠٨م برز وجه العسكر أكثر فأكثر.  حقبة مليئة بالصخب السياسي والتحولات الاجتماعية.

أفكار وتيارات تتطاحن بينها وبالدم على مسرح الصراع الدولي. المسرح هو كل اراض رجل أوروبا المريض: السلطنة العثمانية.  نحن في مطلع القرن العشرين. حيث تعرضت المنطقة العربية لحروب عديدة.  مفرزة خطوط تماس لم تكن مألوفة لسكانها. الشام ومصر والعراق والحجاز يتصدع بين فريقين سياسيين. فريق اراد للخلافة الاستمرار وفريق يريد الاستقلال منها.

في تلك المرحلة ربط مصير الحجاز بمسار الصراع على ورثة الدولة العثمانية. ولربما ربط بشكل نهائي بموازين القوى العالمية.  قبل إعلان الثورة العربية الكبرى ١٩١٦م كان الربط يصل الى الباب العالي فقط.  يعين الخليفة شريفا ويسقط آخر. الارزاق والناس من تابعي السلطنة، ومزاج من يمثل السلطان. انتشر الظلم.  الفوضى سيد الموقف والانفلات الأمني على قفا من يشيل.  على آثر ذلك نشطت الحركة العسكرية على طول خط سكة حديد الحجاز.  وراح آهلها البحث في داخلهم عن خيار.  وكذلك لمكان لهم في المستقبل.

حينها ساد خطاب عام عنوانه كفى وصاية.  فعلى مر الزمن توالت وصايات عدة على آرض الحرمين الشريفين، علوية (نسبة لوالي مصر محمد علي باشا) وعثمانية ومملوكية وغيرها.  شعار اراد أصحابه القول آنه لهم حق تقرير المصير كما كان متداولا.  ولكن مصالح القوى العظمى الجديدة (بريطانيا وفرنسا) كانت أكبر من التمنيات.  كما هي دائما.

لم تكن منطقة نجد معزولة.  انعكس عليها الفراغ المتنامي في القوة على آرض الاناضول. مخططات ومؤامرات تحاك على رمال بر الشام. لترسم ما بين مدينة الرياض وحائل سلسلة من المعارك. محدثة ارتباك وشلل في كل قراها.  وداخل كل بيت.

كان ابن سعود الشاب عبد العزيز بن عبد الرحمن في مدينة الكويت.  وعمه عبد الله بن تركي الفيصل آل سعود في مدينة عدن.  يحاول جمع أنصاره وإقناع الإنجليز لمساعدته في استرجاع الحكم.  الا آن مدينة الكويت كانت أقرب الى حكومة جلالة الملك البريطاني من مدينة عدن.  المدينة الواقعة تحت الانتداب البريطاني في منطقة حضرموت.  مرسيا في قاعدتها المطلة استراتيجيا على مضيق باب المندب فخر الأسطول البحري الإنجليزي.  لربما هذا كان آول درس في الجغرافيا السياسية للشاب عبد العزيز بن سعود.

يومها دارت معارك بين القوة الصاعدة، يقودها الشاب عبد العزيز بن سعود (أخو نورة)، والقوة التي في حالة انحسار بقيادة عبد العزيز الرشيد (الجنازة).

 وسط كل هذا وبينه ولد محمد. ولد في المدينة المنورة.  كان ذلك عام ١٩٠٦م.  عام انتصار جيش ابن سعود على غريمه ابن رشيد في معركة روضة مهنا.  نقطة تحول في مصير آل سعود والحجاز ونجد وملحقاتها……..والمنطقة معها.

حوش خميس هو العالم…………..

هناك في الشمال الغربي للمدينة وعلى سفح جبل سلع في حوش خميس ولد محمد بن حسين بن زيدان بن عبد الحميد العقيصي المطيعي الهلالي.

كان الحوش امتدادا لزقاق جعفر والبيوت حولها.  عند طرف باب الحومة.  ممتدا خارج السور والذي كان يفصل بين مجتمعين.  يومها صنف المجتمع المدني بآهل السور والمجاورين خارجه. طبقية تحاكي معظم المدن العثمانية. أكيد آهل الداخل أعلى في السلم الاجتماعي فهم يعيشون مع ممثل الباب العالي وبالتالي أقرب الي الخليفة العثماني.

الحوش سكانه عرب من قبائل شتى، ابن مطلق وابن فضلون وابن جميعان وابن زيدان.  تجاورهم عدة أحواش أخرى.  حوش الرشيدي وقيل انه ملك البرادعي الجهني.  ثم حوش الصديقي ومن أبرز سكانه محمد القين.  ثم الى الغرب منهم حوش السيد.  حوش مستقل بذاته.  سكانه ينسبون أنفسهم الى قبيلة مزينة.

توفيت والدته بالدفتيريا بعد الولادة بأشهر آو هكذا قيل له. لا يتذكر من والدته الى لمحة آو خيال يريد لها آن تكون.  ولم يذق طعم مناداة الآم.  وحتى حليب أمه لم يكن له حصرا. بل تشارك فيه.  يومها جلب جده رجاء بن فضلون الطفل الرضيع عبد الله المتعب العبد العزيز الرشيد. ليرضع مع محمد.

جاء به الجد خوفا عليه من القتل على يد أبناء عمومته أبناء حمود العبيد الرشيد.  فبعد هزيمة الجنازة عبد العزيز الرشيد في معركة روضة مهنا امام القوة الصاعدة ابن سعود دب الصراع في بيت ال رشيد، وقتل متعب العبد العزيز الرشيد ومعه آخاه.  ليسلم سعود العبد العزيز وابن آخيه الطفل عبد الله.

تكفلت جدته الكفيفة ميثاء الضويان بالرعاية.  يعاونها أربع نساء كانت كل منهما الآم.  شماء ومنيرة أخوات سيف العوجان أمير عقيل حينذاك. ووردة وموضي زوجتا بادي بن جميعان العمري من بني عمرو من مسروح من حروب شرق المدينة.  أحسنوا الرعاية كما يتذكر الا آن لا شيء يعوض عن حنان الآم.

كانت الجدة كبيرة القدر.  في حوش خميس على الاقل. فهذا الحوش كان عالم الطفل اليتيم. يجتمع عندها كل ليلة كبار القوم. يجتمعون في مجلس جده رجاء بن فضلون، وهو من فرسان العرب.  قال له خاله محمد بن فضلون آنهم من عالية نجد.  وان جده الأكبر فضلون الظاهري السالمي الحربي كان يقول:” خيالها يوم الزنابير فضلون الي شرى عود القنا بالثنية”.  قال ذلك حين كسرت قناته فأشرى قناة بثنية من الآبل.

والده كان مزواجا.  هو يتذكر إحدى عشر امرأة تزوجها. لم ينجب الى من ثلاث. من زوجته الأولى ومن أمه والزوجة السادسة.

وكآن الجدة استشعرت برادار الآم آنين الطفل. فتعالت على انعدام نظرها لتصبح الحصن الحصين من زوجات الآب.  أحاطته بكل ما تملك من عطف وحنان.  سواء عطاء مشاعر آو بنيان. وذات مرة خافت عليه من البرد. فبنت له حجرة من الطين داخل بيت الشعر. تسعهما الاثنان فقط.  ولو وقف الطفل محمد لمس رأسه سقف الحجرة.

وفي احد الأيام ظل محمد راقدا داخل الخيمة لا يلعب ولا يتحرك.  فنادت على ابنها “روح نادي حسين وقل له ابنك مريض، روح يا علمي بسرعة”.

“هي بنت الكلب” يقول حسين بعد آن أبعد يده عن جبهة محمد المستلقي على فراشه.  لم يبلغ محمد العشر سنوات بعد.  وقد خسر حسين أولاد بسبب مرض الحمى.

“يا وليدي، بسم الله عليك……حسين شوف جزا، خلي جزا يشوف محمد تقفى” تصيح الجدة غاصة بدمعها وهي الكفيفة.

ذهب حسين مسرعا وأحضر مطبب البادية الشهير جزا الظاهري.  ووصل جزا لا يحمل معه حقيبة سوداء كأطباء اليوم.  بل يحمل خيشة (كيس) فيها أدوات حديدية، وبعض المعطرات والأعشاب.

دخل جزا الخيمة ليكشف على محمد المستلقي في حضن جدته. يأخذ نظره المطبب الى الأرض ويسير بمحاذاة عمود الخيمة من الجهة المقابلة للجدة احتراما لها.  وما آن اقترب حتى أشار والد محمد على الجدة بآن المطبب سيقترب. فتزيح نفسها الجدة بهدوء ويقترب جزا.

“ما يكوي النار الا النار” يربت كفيه جزا بعد ان رفعها عن جبين محمد.  وحسين يوافق المطبب في وصفه العلة.

عندها يخرج حسين وجزا من بيت الشعر.  ليهيئا سيخا من حديد يضعونه في النار في الموقد حتى أصبح برتقالي اللون. وشعاع الحرارة منبثا في كل أتجاه.  فيشير حسين على الجدة أن تخرج من الخيمة بسبب رائحة السيخ والحرارة خوفا عليها وهي التي تشكو من ضيق التنفس.  فتقابل الجدة الأشارة بالرفض القاطع.  ولو كان لها خيار لوهبت حياتها للطفل محمد.

المهم، يدخل الثلاثة حسين وجزا والسيخ الحامي الى الخيمة. والجدة تجلس متربعة عند رأس محمد تقرآ ما تحفظه من آيات من القرآن.

يقترب جزا والسيخ معا من محمد.  وحسين يتهيآ لتثبيت الطفل محمد إذا قام بحركة لا إرادية.

وما آن يلمس السيخ جبهة محمد فاذا عينيه تظهر خارج مقلتها ويديه ترتفع لتجد الوالد حسين ممسكا ومثبتا لهما.  لحظات ثم غاب محمد عن الوعي.

غاب ليوم كامل.  ليفيق وكله صحة وعافية.  غاب ليفيق في حوش خميس، عالمه الذي يحبه ويعرفه.

المدينة المنورة………..

هي،

ليست مسقط الرأس فقط.

ولا حياة الطفولة أو مغامرات الشباب ولا حتى منهل علم أو ذكريات كهل.  هي كل ذلك وأكثر.  هي الحب الكبير.  حب الطفل لأمه.

هي مطبوعة في وجدان محمد. مدينة بأرضها وفضاءها، أحبها كمن يحب أمه.  وكآن أراد آن يقول آنها هي أمه الذي فقدها.

حفظ تفاصيل شكلها ليصفها بعشق.  وعرف جمال وجهها ليصلي على أفضل ساكنها.  وعانق تضاريسها بنبل رجل، وفي غياب الأمان ينوخ ذكرياته فيها. فلا امن مثل حضن الام.  وأستوعب كل عثراتها بقلب آبن.

غزل كان الموضوع بالنسبة له حين يتحدث عنها. غرام يفيض ولهفة تكسر حاجز الزمن.

هي،

روضة.  وغدير. وأبقعه.  بقيع الغرقد وبقيع النخيل. ووجه الجمال لإنسان الجزيرة العربية.

حضنت من ثلاث جهات بالحرة.  الحرة المستعرضة وحرة بني قريظة وحرة وأقم.  لتنساح أرضها شمالا حتى أجد وحتى الغابة.

يزين وجهها الجميل ثلاث وديان. هن علامات حسن. بطحان (رانوناء) يمر من الوسط يسيل من أعلى الحرة بين قباء وقربان.  ووادي العقيق من الغرب يحضن الحرة الجنوبية ومارا بين جبل عير لينساب بين الجماء وحرة واقم.  ثم وادي قناة. من الشرق يسيل ليملآ العاقول، الغدير البحيرة بين أحد.

لتجتمع الوديان الثلاثة في زغابة.  متحدة ومتماسكة تجري. يصبح اسمها وادي الحوش.  يهدر الي الغابة ويأخذ روافده من شعاب أحد وثور ونقمى حتى يجانب رضوى.  ويمر بين الخيفين عند ينبع النخل حتى يصب في البحر.  في مدينة الوجه.

هي،

 “إسمها مدينة واحدة” كان يقول.

“لكن وضعها جعلها عدة مدن” يستطرد.

الساحة وحارة الأغوات ومقعد بني حسين وسويقة والمسجد كلهم داخل السور. مدينة واحدة. لسكانها لهجة واحدة ملبس واحد ومآكل واحد.  وكآن السور حجزهم داخله.  طراز معيشي خاص.

تتسع المدينة خارج السور لآهلها أيضا. في كل اتجاه مدينة خاصة بناسها.

في الجنوب. حوش منصور والمراكشية والتاجوري والمحمودية والطيبية لا تصل الى المناخة.  من امام الباب المصري تمتد بمحاذاة مسجد الغمامة.  يجاورها حوش النخاولة.  كل له طابعه.

غربا اتسع البناء من اهل السور.  بنى أعيان من المدينة بيوتا لهم كبيت البري وبيت الياس وبيت الكردي والداغستاني وابراهيم المفتي. وتحديدا بنوا على الغرب من المناخة. ذلك آن هناك التزام بالا يقام بناء في المناخة.

لكن العمران اتسع أكثر غربا.  أحواش تناثرت من آهل المدينة.  حوش العنبرية وحوش سنان (شنان) وقصر مدار باشا وحوش مناع وأبو ذراع والسلطانية. وبعضهم بنوا بيوتا على حافة السيل فيما يسمى بالنورية امتدادا لبيوت السيح.  ليتبعهم زقاق الطيار وحوش قره باش (الرأس الأسود) وحوش وردة وحوش خير لله وحوش قمر وحوش شلبية وحوش هتيم وحوش السمان وآم الورد والمجزرة.

آما من الشمال الغربي فهناك مدينة محمد.  على الحزم من باب الكومة ودون جبل سلع.  حوش خميس والقشاشي والصديقي (علي خضر) وحوش السيد. وكانت هذه الاحواش امتدادا لزقاق جعفر والبيوت التي حولها.

هي،

المسجد النبوي.  بيت رسول الله.

أحبها.

أحب المدينة المنورة.  ومن بعدها كل المدن سواسية.

طارق زيدان – فصل من رواية يتم إعدادها

Loading

اترك رد

اكتشاف المزيد من طارق فريد زيدان

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading