Site icon طارق فريد زيدان

صفحة ملؤها.. هيكل والتويني

محمد حسنين هيكل وغسان التويني رجلان من كبار رجال الصحافة العربية المقروءة والمرئية والمسموعة. وصفات أخرى بارزة في أذهان خصومهم ومحبيهم. كان لي الحظ بأن تعرفت على كليهما عن قرب في السنوات الماضية قبل رحيلهما.

المقارنة بينهما حادة الإثارة، إلا أن الجميع، أحباباً وخصوماً، يتفقون على أن هيكل وتويني من صنف الرواد في الصحافة العربية على الأقل. نعم من رواد الصحافة العربية في القرن الـ20، أو رواد العصر الذهبي للصحافة العربية يوم كانت في أفخم تجلياتها؛ أخبار، تحليل، أدب، فن وسياسة. الكل يتابع والكل يقرأ، وكلاهما على أذن أصحاب القرار، لا بل في عقل أصحاب القرار. يكتب تويني مخاطباً من يراه متآمراً على بلده بأن يكف حروبه عن شعب لبنان وأرضه. في حين يطل هيكل أسبوعياً مصارحاً الأمة والمتآمرين عليها بأعذب وأهم الكلام، لأنه كان يقول لي: إن «الصحافة نصفها أدب و«الجورنال» خبر».

يومها كان الرجلان يقفان على ضفاف متقابلة في الحياة وخياراتها، يفصل بينهما بحر هائج من السياسة والانتماءات. فلقد انتمى تويني في بداية شبابه إلى الحزب القومي السوري الاجتماعي، ثم إلى النظام اللبناني والمارونية السياسية على رأسه. وانتمى هيكل إلى القومية العربية، ولربما كان منظّراً لها. مهنياً، كان ما يفرق بينهما كبيراً بحجم الجبال. كان الأستاذ تويني يجلس على قمة الهرم الصحافي بصفته ناشراً لصحيفة النهار اللبنانية. بعد اغتيال كامل مروة مؤسس وناشر صحيفة «الحياة» تصدرت النهار المشهد بمثابة صوت ومنبر لليمين العربي، والمعارضة للتيار الناصري. بينما كان الأستاذ هيكل في القمة رئيساً لتحرير صحيفة الأهرام المصرية حاملة لواء العروبة والناصرية واليسار والعداء لخصوم الناصرية والسوفيات في حينها.

إلا أن جسراً من الصداقة بناه الرجلان من باب المهنية الصحافية قاوم أعتى الأمواج السياسية، التي مرت وتمر بانتظام في عالمنا العربي. وكانت أولى لبنات هذا الجسر أن تزوجا في الأسبوع نفسه، وقضيا معاً إجازة شهر العسل في جنوب مصر وفي مدينة الأقصر بالتحديد. استمرت العلاقة تتوثق بينهما وتزداد متانة، يوماً بعد يوم ومقالةً بعد مقالةً. حتى إن الرئيس المصري جمال عبدالناصر أشار إلى علاقة الرجلين ببعضهما. عندما كتب هيكل مقالة بعنوان: «غير أو تغير» يدعو فيها إلى أن التغيير من سنن الحياة، ومقاومته خسارة أكيدة، اتصل الرئيس عبدالناصر به مازحاً ومعاتباً «أوعى تكون فاكر نفسك زي صاحبك تويني وأنا شارل حلو». يقصد رئيس لبنان السابق شارل الحلو.

أول لقاء لي مع الأستاذ تويني كان في مكتبه في صحيفة النهار وفي بيروت المتنوعة، هكذا هي شخصيتها عاصمة لبنان التنوع.

يجلس على كرسي كلاسيكي من الخشب والجلد، ويتكئ على طاولة تبث عراقة فرانكوفونية وبالعربية، ومن خلفه يطل على شواطئ بيروت وما بعد بعد بيروت. كتب عدة تغمر الغرفة، غير أن أعزها إلى قلبه هو كتابه عن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425 الذي شارك في صناعته كسفير للبنان في الأمم المتحدة عام 1978، وتحديداً عند الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. فور دخولي المرة الأولى مكتبه باغتني مباشرة بسؤال: «أنا من الغساسنة، أنت تعرف من هم الغساسنة»! أجبته: «نعم، أنت من أحفاد جبلة بن الأيهم والملك الحارث الخامس أبناء عامر بن ماء السماء، وعلى الرأس في العرب من قحطان». وأكملت متسائلاً: «ممكن كمان في العروبة»؟ ضحك عندها وقال لي: «نجحت في الاختبار». ثم استطرد في ما يخص العروبة: «كل رئيس لجمهورية لبنان يبدأ عهده عروبياً، وينتهي انعزالياً»، وكأنه يصف حال رأس السلطة في بلاد الشام من أيام الغساسنة إلى اليوم. تُسجل له اقتباسات كثيرة، وأعتقد أنه لو كان بيننا لوصف حال لبنان اليوم بأنه أكبر من أن تبلعه تصريحات حزبية شمالاً وجنوباً، وأقوى من أن يفرق بغير العروبة.

وأما مع الأستاذ هيكل، فاللقاءات كانت دائماً مثيرة. أتذكر آخر لقاء معه في منزله الصيفي على الساحل الشمالي قرب مدينة الإسكندرية في قرية الرواد، يجاوره «عديله» الأستاذ نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية. لا يغيب عني منظر البحر الأبيض المتوسط أو مائدة البحر المتوسط، كما كان يسميها. الشاطئ مغطى برمل ناصع البياض، يليه شريط مائي أزرق تركوازي اللون مميز، ومن ثم شريط مائي آخر أزرق داكن لا أفق له. يعني لو رأيت المنظر لوددت الشرب منه لا السباحة فيه. ببساطة أجمل بحر رأيته في حياتي.

استقبلنا عند المدخل، كعادته، مستخدماً عكازاً طبياً بأربعة أرجل. مرتدياً لباساً متناسقاً مع المنزل والموقع والساحل الشمالي. وحين بادرته بالإشادة بتميز ألوان البحر أمامنا ذكر لي أن القائد العسكري مونتغمري كان يعشق السباحة عارياً في مياه هذا الشاطئ استعداداً لخوض الحرب العالمية الثانية. المهم كل التفاصيل مدروسة، سيجاره معه بيمينه، وكتابه يلحقه حيث يذهب اللورد الأسمر هيكل. هكذا كان يوصف ابن حي الحسين القاهري. في هذا اللقاء سألت الأستاذ هيكل من بين عشرات الأسئلة: «هل أميركا أعظم إمبراطورية في التاريخ»؟ أجابني مباشرة: «لا لا لا لا»، واستطرد شارحاً: «بريطانيا أولاً، ثم روما، ثم أميركا». وعند سؤاله لماذا؟ أجابني «ذلك أن بريطانيا وافق زمانها عصرها». توقفت كثيراً عند كلمتي «زمن وعصر» وكل ما يختزلهما من معان، فبعد أن شرح معنى التاريخ والجغرافيا، يومها، شرح معنى زمن وعصر. طبعاً هيكل اختصاص اقتباسات، وأعتقد أنه في آخر اللقاء كأنه كان يوحي لنا بأن العرب أصبحوا جغرافيا بلا سياسة وتاريخاً بلا ذاكرة.

نصل إلى أن كلا الرجلين عاش على طريقته، سواء في خدمة أفكاره وعائلته أم وطنه وسياسته التي آمن بها تماماً. فالرجلان وقفا على ضفة الموت مرات ومرات.

تويني خسر عائلته كلها في حياته، زوجته وأولاده الثلاثة، سيرته مأساة بحد ذاتها. أما هيكل فتعاطى معه العرب يمينها ويسارها، رجعيها وتقدميها، لا بل الكوكب كله، بأن مشروعه مات، ولأكثر من نصف قرن (منذ حرب 1967 بين العرب وإسرائيل). ولكن الاثنين استمرا في العمل والحوار.

وأذكر يومها أن حواراً دار بينهما عن أهمية لبنان، موقعاً ودوراً، فيصف هيكل لبنان الذي أحبه وعرفه بأنه «لوحة زجاجية ملونة معشقة رائعة الجمال»، يجيبه تويني قائلاً: «ولكنه معلق على الحائط العربي!». رحل الرجلان وأمامهما حائط عربي على وشك الانهيار، وقرن أفل على ضباب في الرؤية والراية.

Exit mobile version