Site icon طارق فريد زيدان

شيء ما في الآفق

شيء ما في الآفق……….

في وسط الصحراء، وتحديدا بادية المدينة المنورة، جلس الطفل محمد امام خيمته مراقبا الافق.  لا يبحث عن نجم سهيل كما يفعل البدو لتحديد موقعهم، بل يدعو ربه آن يرى والده قادما ومحرارا من الآسر.  فقبل عدة أيام غاب والد محمد باتجاه الآفق البعيد مكبلا ومخفورا. غاب حسين بن زيدان تآخذه سلطة حاكمة لا تعرف من العدل الا قليلا.  سلطة آشتهرت بالظلم.

ومع شروق كل شمس مديني في عرض السماء يستذكر محمد الطفل هذا الدرب البعيد مع الأفق الذي سلكه والده.

حبس الحاكم والد محمد ظلما لم يكن بلا سبب. فالخلاف حول ملكية آرض بين حسين والشريف حسين بن فارس. البستان الذي آشتراها حسين من الشريف في العوالي.  والبستان الذي باعه الشريف لم تثمر وهي في ملكيته. ومع حسين فقد عمرت وآثمرت.

فزانت الآرض للشريف يريد آسترجاعها.  او غير رآيه بكل بساطة بعد آن قبض ثمنها كاملا!

الشريف يريد بستانه الذي باعه وفقط.  نزاقة سلطوية كانت تمارس بشكل عام في ذاك الزمان.  وآغلب الناس كانت ترضخ لتلك النزاقة خوفا من غضب السلطة.  ولطالما تعرض حلال الآهالي لمزاجية الحاكم.  سواء تجارة آو ارض آو حتى جباية ضرائب غير مفروضة من الباب العالي.

ولكن حسين غير. بعد محاولات عديدة، آستخدم فيها كل الوسائل الاكراه والآحسان معا، لم يقنع الشريف حسين بن فارس والد محمد بإرجاعه الآرض.

“لا بالترهيب ولا بالترغيب.  آنا ابن هذه الآرض ومالك هذا البستان ولست مقطوع من شجرة.  لي عشيرة تحميني. تريدون الآرض اشتروها بثمن اليوم”. هكذا جاوب حسين مندوبين الشريف. المتزلفين والمنتفعين.

عندها طلب الشريف حسين بن فارس من ابن عمه صاحب السلطة الشريف شحات بن علي قائم مقام المدينة المنورة مساعدته في استرداد الأرض المتنازع عليها.

يعني آستعمال سلطة بمصطلح اليوم.

القبض على حسين…….

“قم يا ابن زيدان كلم الشريف شحات” البواردي خوي الشريف يخاطب حسين مصوبا بندقيته تجاهه.

“باللين آو بالقوة هو يبغى المزرعة ترجع للشريف حسين ومن دون دفع قيمتها” هذا ما قاله البواردي لكن هذه المرة البندقية مصوبة الى ابنه محمد.

رفض حسين العراك خوفا على ابنه.  فلا يوجد مركز شرطة للتبليغ عن عملية الخطف.  آو جيران يستطيع طلب مساعدتهم محمد. هم في وسط الصحراء.  حتى طلب قوات الدعم العشائري سيآخذ أياما لهم للوصول. لا فائدة إذا من العراك. هنا حسبها حسين جيدا وهو الخبير بشؤون المعارك لعمله في فرقة عقيل.

على آية حال التسليم لا يعني الآستسلام. وهذه جولة من معارك كثيرة خاضها في حياته.

معترفا آن الامر آسقط في يده يسلم نفسه.  ليكبل البواردي يدي حسين ويقتاده مخفورا للشريف شحات.

ورحل حسين مبتعدا عن الخيمة مع آخويا الشريف.  ومحمد الطفل يراقب آختفاء آباه في الآُفق رويدا رويدا. يراقب بحواسه الخمسة من دون حول آو قوة.  يعلم آنه قد لا يرى آباه بعد اليوم.  وكان معروف عن بطش الشريف لمعارضيه.  فيغرق خده الزهري اللون في دمع لم يذرف إلا قليلا.

حتى إذا وصل حسين الى الشريف شحات.

“قلعت نبات الليمون سلم قيمتها لحسين بن فارس” يقول شحات وبلهجة الآمر.

“كل الليمون مات في بلاده وفي بلادي ما آسلم ولا قرش” يجيب حسين متحديا.

وأحتد الحوار بين الاثنين.  يصعد شحات في كلامه ليقابله حسين تصعيدا في عناده ورفضه.  آستجواب وآرغام للبيع آشبه بعملية الكباش، كان على أثرها ان حجز على حسين في سجن شحات الشهير.  في السجن الذي رقد فيه مرارا كبار اهل البلد.

ومن يومها والطفل محمد اليتيم الام يجلس وعينه تملآها الامل آن لا يفقد آباه آيضا مرابطا آمام خيمته. مراقبا الآفق الذي ابتلع آباه الى غياهب سجن شحات. مترقبا ومتأملا في الوقت نفسه آن الفرج لا بد وآن يآتي.

مرت الأيام ومعها الساعات بلياليها ولم ياتي خبر عن والده. ومع كل لحظة يقوم فيها الطفل بواجباته، من تجميع للحطب آوتسريح للغنم آوغيرها من مهام، ينسرب الآمل حبة حبة مختلطا مع الرمل في الآرض. فقط الانتظار والدعاء كل ما يملك.

ثم في آحد الايام لاح في الافق شيء.  شيء جعل كل حواس محمد في حالة تآهب.

لا اراديا آرخى محمد عن كتفيه شماغه المغبر بينماعينه تلاحق ما يلوح في البعد.  شيء من خلف الآفق يعدو ويكبر مع كل دقة قلب.  يكبر ويكبر معه الآمل.  فارس من العرب على خيل كميت (بدون سرج).  ضفائره تلحق عدوه.  وملامحه يكسوها الغضب الساطع، شرر يتطاير من عينيه وما بعد بعد عينيه.  ليصبح آمامه.  آكبر من الشمس في الآفق.

وقف محمد متجمدا بالرغم من حرارة الرمضاء.

“وين آبوك يا محمد؟” سآله الفارس بتجهم فاقع.

“آخذه وحبسه الشريف” آجاب.

“آنا ولد صلف” قالها الفارس وهو يفرك لحيته بسبابته وابهمه ثم انطلق.  انطلق مقلعا كالصاروخ وخيله يحاول اللحاق به.

هو بذاته استدرك محمد.  هذا غلاب بن صلف بن ناحل، شيخ النواحل الاحامدة من بني سالم من حرب نجد.  لهم خفارة حجيج العراق وآيران ليتركهم عند ابناء عمومته آهل الفقرة عند آميرها ابن جزي.  يجتمعون الحجاج على حدود جزيرة العرب من الشمال وغالبا في النجف ويمرون على قبائل نجد كلها بآمن وآمان تحت حماية ابن ناحل.  آمتياز توارثه صلف وآخوه خلف ابن ناحل من السلطان العثماني.  قوة السلطان التي صدت آي قبيلة في نجد، من كان من يام آو مضر آو من كان من ربيعة الفرس لا يعترض على الحجاج آحدا ولا يدفعون مقررا.  هم في معية ابن ناحل.

ولطالما سمع محمد من والده عن نبل صديقه الفارس الآصيل.

وهكذا آمتطى فرسه ولد صلف.

وما هي الا ساعات حتى ظهر في الافق ما كان ينتظره الطفل لآيام.

آبوه حرا طليق لا تنقصه آرضا آو كرامة آو حتى مرؤة.  آطلقه الفارس ابن ناحل مهددا الشريف قائلا:”حنا الذي جلينا الاتراك بسيوفنا والله لا شبها عليك، آحبس الذين قتلوكم في العوالي”.

خرج حسين بقوة الظهر لا قوة العدل.

والفارس يقصد كيف صد جيش الدولة العثمانية حين قامت الثورة العربية الكبرى عام ١٩١٦م.  فلقد آذنت طلقة الشريف حسين بن علي من منزله في مكة بقيام حراك عروبي شكلا ومصالحي مضمونا. يومها كان شعار الشريف استقلال العرب من الحكم العثماني ولكن حسابات بعض الزعماء جاءت على العرب انفسهم.  هذا ما كان يقصده بن ناحل.

التتريك وحصار المدينة الآول…………

تحرك العرب في الآقاليم العثمانية لم يكن صدفة.  بل عملية تراكم من الاخطاء السياسية الممارسة من الباب العالي. ليس آولها الضوء الآخضر الذي آرسله الحلفاء الجدد للعرب بريطانيا وفرنسا.  وليس آخرها سياسة التتريك التي جهر بها الاتحاديون ونشروا المدارس تعلم اللغة التركية.

ولكن هي ايضا سعيا وبحثا من العرب عن كيان يجمعهم وبشكل هوية على آرضهم. كيان طال آنتظاره.  فوجد العرب آنفسهم يريدون الخلاص من التتريك ثائرين على الخلافة العثمانية.  وجدوا أنفسهم ثوار يعرفون حمل السلاح ولا يعرفون تحولات السياسة الدولية وآلاعيبها.

فاذا العرب فرقا.  قسمتهم معاهدة سايكس بيكو وهم في غفلة.  غفلة لم يفيقوا منها الى عندما آصبح أسقط القيصر في روسيا بضربة لينينية.  لتضربهم الغفلة مرة ثانية بوعد بلفور لليهود. لتنتهي الدولة العثمانية بثورة مصطفى كمال آتاتورك. أتاتورك لم يسأل عن الطورانية خارج حدود الآناضول. بل كان همه آن تبقى تركيا الدولة في الآناضول.  فغير القبلة السياسية للترك نحو الغرب.  واستبدل لغة القران بالحروف اللاتينية الغربية.  ثم خلع القلنصوة والعمامة ولبس الزي الآطلنطي.

ومع ذهاب عصر السلطان عبد الحميد ذهب معه الولاء للخلافة.  وعهد رشاد لم يعوض عن الولاء الضائع.  لآن الاتحاديين كانت السلطة بيدهم.  وآنشقت الاقاليم العربية عليهم واحدة تلو الاخرى.  فمصر الخديوية اصبحت سلطنة لا خدوية بعد خلع عباس الثاني.  وبتاريخ ٢٨ فبراير أصبح السلطان في ارض الكنانة ملكا. ولو انها تحت الآحتلال الآنجليزي. اما الشام من معان جنوبا والى اضنة والاسكندرون شمالا ومن رفح غربا حتى الجزيرة على الفرات شرقا اقليم واحد اقبلت على ثورة الحسين بن علي في مكة.

والمدينة وآهلها عاشوا كل تلك التحولات.  تحولات يتذكرها محمد بالتفاصيل.

بدآ آثار التحول يظهر في المدينة. وتحرك فخري باشا كما جمال باشا والي دمشق.  تحركا ضد كل معارض من العرب.  فجمال علق المشانق وفتح السجون للذين أنكروا ان الدولة العثمانية دولتهم.  وقبل من فخري باشا ان يرحل اهل المدينة منها الى الشام. هذا وجيش الآشراف يطبق الحصار على طيبة. بعد آن آخذوا مكة المكرمة وجدة والطائف. وظلت رابغ بآمرة آميرها القبلي حسين بن مبيريك مع الترك.  فابن مبيريك الزبيدي الحربي أعلن ولائه للدولة العثمانية هو وبخيت بن بنيان ابو ناصر. ليقتل بعدها في جرول في مكة.  بعد زوال الآتراك ويمسك آخوه آسماعيل بن مبيريك بالآمارة.

ليشتد الحصار على المدينة آكثر.

في آول الآمر لما وصل الشريف عبد الله بن الحسين وادي العيص قام بحملة كبرى. وآخيه الشريف فيصل يلازم الساحل حتى وصل ينبع النخل.  فهاجمه فخري باشا بجيش جرار وسلاح فتاك.  لينحصر الشريف فيصل بين خيف المبارك في ينبع النخل التي آحتلها فخري باشا وبين ينبع البحر التي مازالت في يد الدولة العثمانية وحاكمها بشير السعداوي الليبي.  حوصر فيصل لا يستطيع مواجهة فخري ولا يقدر ان يقتحم ينبع البحر.  هذا والآسطول البريطاني ينتظر وصوله الى الشاطيء.

الا آن فيصل نجا ودخل ينبع البحر فاتحا.  وكان ذلك بمساعدة الشريف عبد الكريم بن بديوي أحد اعيان الاشراف ذوي هجار العياشية.  وكان لهم امرة في جهينة، فجاء الشريف بن بديوي بخيلهم خلف فخري باشا ليجعل الجيش التركي محصورا بين ابن بديوي وجيش ابن عمه فيصل بن الحسين.  فكلاهما ابناء عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن آبي طالب.  وذهب فخري يطارد جهينة حتى رجع الى المدينة وسار فيصل الى ينبع البحر ومدافع الاسطول الانجليزي تحميه.  ورجع فخري الى المدينة لينحصر أكثر فأكثر.

وضاق الخناق على اهل المدينة.

عندها آعلن الاتحاديون خلع الحسين بن علي من امارة مكة المكرمة. واستبدلوه بالشريف حيدر باشا آل غالب. فهم استبدلوا العبادلة بآل غالب الذين كانوا في الاناضول.  وبنوا لحيدر باشا سبيلا في المناخة امام مقر فخري باشا اعلانا لآمرة حيدر باشا.  واستمر الحصار.  وفرغت المدينة من آهلها.  غير آن بعض الاهالي استطاع البقاء باستمالة فخري.  فالشيخ الفا هاشم زعيم التكارنة، وكانوا في المدينة كثر، تقرب من فخري ليصبح ناصحا ومستشارا.  بمقابل عدم ترحيل جماعته.  ولم يرحل منهم. بل جندهم فخري في الجيش.  ليصبحوا بعد جلاء الاتراك من حرس الشريف علي بن الحسين.

وخرج فخري باشا وآكثر جنده وضباطه.  لتدخل المدينة في حكم الشريف حسين بن علي.  وينتهي الحصار معلنة قيام دولة الآشراف.  ويبدآ عهد جديد.

خرج أكثر ضباط فخري من المدينة مع العهد الجديد.  ومن هؤلاء الضباط من بقي من العرب وبعض الترك حسني العلي المقدسي. خليل هجانة عبد الجيد اليافي الصيدلي.  وضياء الدين بك التركي الصيدلي.  ثم الطبيب المعروف محمد علي الطرابلسي الليبي والضابط سالم أفندي الليبي ومهدي بك معروف.  وفهمي المعروف بذكائه فبدأ مع عسكريا مع الجندرمة ليصبح صيدليا متعلما من الكبار.

وتشكلت في المدينة حكومة شريفية جديدة.  في باديء الأمر كان الحاكم شكري بك الأيوبي من أعيان دمشق ومن أبز القادة الثوار.  غير أن الحال لم يعجبه فرجع الى الشام.  ثم جاء بعده الشريف جميل باشا الراوي الذي تولى رئاسة الحكومة أو الحكم العسكري مساندة ابن عمه إبراهيم باشا الراوي.  وكان معهم عزت بك شامي وعبد القادر ديري وقاسم ديري.

ليحكم بعده عبد المجيد باشا، القائد العسكري الذي كان محط أحترام وتقدير كبيرين من أهل البلد.

كل هذا والحاكم العسكري في المدينة كان يشاركه في السلطة أربعة حكام. كل له سلطانه.  الديوان يرأسه أول الأمر حامد حمد الله ورشيد أفندي لينتهي الى عبد الله عمير.  الذي لم يحكم بل يراقب.  والحاكم الثاني وكيل الأمارة الشريف أحمد بن منصور.  رجلا طويل القامة حليم العقل وطيب المعشر، ما مد يده بضر الى أحد. يتذكره محمد جيدا، فكان رئيس ديوانه صديقه محمد العزيز حسين شويل.

طارق زيدان-فصل من رواية يقوم بإعدادها

Exit mobile version