Site icon طارق فريد زيدان

ترامب المغرد شيء.. وترامب الرئيس شيء آخر

واشنطن «الترامبية» لا تشبه غيرها، لا في خطاباتها المثيرة ولا في مشكلاتها الداخلية. حتى إنها، أي العاصمة الأميركية، تبدو في عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن تقليدية جدا، بالمقارنة.

نعم، عهد الرئيس بوش الابن الذي كان صاخبا بتصريحات المحافظين الجدد.

أتذكرون يد الله التي لمست الرئيس بوش نفسه – على حد قوله – بعد أحداث الـ11 من سبتمبر، وقوة العم سام العسكرية التي انطلقت في الكون بشعار «الحرب الصليبية»، على حد وصفه مرة أخرى، ثم كذبة الأسلحة الكيماوية لنظام الرئيس صدام حسين، ومن على طاولة المجتمع الدولي في الأمم المتحدة، الكذبة التي أدت إلى احتلال العراق والانسياب الإيراني للمنطقة!

لكن واشنطن «الترامبية» تفوقت. واشنطن اليوم لا تشبه إلا رئيسها ترامب، لا محافظين جدد يستحوذون على التصريحات ولا محطات إعلامية لنقل الأخبار، فقط ترامب يملأ الفضاء الإعلامي بنفسه، يملؤه بـ280 كلمة مغردا في «تويتر»، 280 كلمة حمالة أوجه، فتصريحات ترامب المثيرة تجسد أقصى حالات جموح الشخصية الأطلسية.

شخصية تسعى إلى السلام باستخدام الحرب إن لزم، وبأي ثمن، طالما يدفعها الآخرون، شخصية تفاوض ولا تناور، تحترم القوي وتمقت الضعيف، ما يفسر الإعجاب المستتر بالرئيس الروسي بوتين، الذي تحاول فضحه لجنة تحقيق فيديرالية.

هذا كله وترامب الرجل تحديدا يجيد تسويق صفقات البناء وليس بناء الصفقات، بمعنى آخر نجاح عمله بصفة مطور عقاري يكمن في قدرته على التسويق والبيع، وهو ما يطغى اليوم على واشنطن في صورة عامة للعهد الحالي، ناهيك عن الفضائح الجنسية وتهم التلاعب بالانتخابات مع دول خارجية، واستفزاز شرائح المجتمع الأميركي.

المهم، المقارنة بين العهد «البوشي» و«الترامبي» أو حتى «الأوبامي» (الرئيس الأميركي أوباما معروف بكاريزماه الخطابية)، لا تكون بمراجعة خطاباتهم، فالازدواجية سمة ثابتة في العقل السياسي لواشنطن، وأنه لا فرق بين رئيس جمهوري أو ديمقراطي إلا بالقوى وموازينها، والتركيز على الشخصيات من دون مراجعة المصالح يكون عملا مضللا.

المسألة إذاً ليست تصريحات، بل سياسات.

واشنطن أرض مؤسسات الولايات المتحدة العميقة، كمجلس الأمن القومي والبنتاغون والخارجية والاستخبارات، لها شخصية تستمدها من المصالح السياسية والاستراتيجية فقط، ولو تغير ساكن البيت الأبيض كل أربع سنوات! مصالح الأمن القومي الأميركي التي تغيرت في خلال 16 سنة من عهد بوش الابن وعهد أوباما.

هنا الفرق بين عهد بوش الابن المسيحي المحافظ وعهد ترامب الـ«تويتري» المغرد، ولو أن كلاهما جمهوري المذهب.

ولكي لا نلدغ من الجحر مرتين، ما يخصنا ويخص منطقة الشرق الأوسط بالنسبة للمؤسسة الأميركية العميقة اليوم أمران: إيران والإرهاب. وما دونهما يمكن التعاطي معه مبدئيا بالطريقة «الترامبية»، كموضوع نقل السفارة الأميركية إلى القدس.

أصلا لا يمكن النقاش حول إيران إلا والإرهاب ومحاربته ثالثنا، لينتقل الحوار مجددا إلى تصريحات الرئيس ترامب تجاه الاتفاق النووي الإيراني، كما حصل قبل أشهر عدة، حينها صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه لن يوقع على التقرير الرئاسي الدوري والمعني بالاتفاق

النووي الإيراني.

وفي الآونة الأخيرة تحديداً كثر الكلام عن تصاعد وتيرة التصريحات تجاه الاتفاق النووي الإيراني، وأن ترامب يتجه إلى إلغائه، وبالتأكيد سنقرأ تغريدات «ترامبية» في خصوص هذا الموضوع، بحيث ستخضع تصريحات ترامب لكثير من التحليل والتأويل، وإذا ما سيكون مصيرها شبيه بمصير تصريحه قبل أيام عدة بسحب القوات الأميركية من سورية، والذي تم التراجع عنه بعد الاجتماع الصاخب في مجلس الأمن الأميركي، كما وصف في الإعلام.

من الناحية الشكلية، خطوة الرئيس، إن اتخذها، غير ملزمة إلا لنفسه، والتقرير الذي ينوي عدم توقيعه غير ملزم، بحسب بنود الاتفاق، وليس ملزما لبقية الدول الموقعة عليه، بل هو مقرر بقانون من مجلس الشيوخ الأميركي، ويقدم كل90 يوما للمجلس من الرئيس، والغرض منه متابعة الالتزام الإيراني، ومراجعة رفع العقوبات الاقتصادية

عن طهران.

وعليه هو ملزم لرئيس الولايات المتحدة فقط، وللتوضيح خطوة الرئيس ترامب لم ولن تسحب الولايات المتحدة بمثابة طرف من الاتفاق النووي، الخطوة بمثابة تصريح عن استياء واشنطن، تصريح يشبه رجل ينوى الطلاق من دون أخذ الإجراءات القانونية.

أما من ناحية المضمون، فالخطوة ليست مؤشرا قطعيا يمكن البناء عليه، هناك خطوات كثيرة لاحقة تبدأ من الكونغرس الأميركي لتصل إلى عواصم الدول المعنية بالاتفاق، فالاتفاقات الدولية لا تشبه اتفاقات الزواج، لا يوجد تسريح بإحسان وإمساك بمعروف، هنا لا مكان للعواطف، وأيضا لا يوجد شيء اسمه روحية الاتفاق، هذا التعبير لا سند قانونيا له، هذا النوع من الاتفاقات المتعددة الأطراف يحصل نتيجة لتوافق المصالح بين الدول وليس بوصفه سببا، بمعنى أن تدخلات طهران في المنطقة لا تعطي شرعية قانونية لإعادة العقوبات الاقتصادية، بحسب بنود الاتفاق، وتحديدا عند استمرار المنافع بين الموقعين، ما يفسر استنكار بقية المعنيين من الدول، كتصريح وزراء بريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا، قبل مدة.

صحيح ترامب بصفته رئيسا لديه القدرة على إعادة التفاوض حول الاتفاق، ولديه كم كاف من الصلاحيات والادوات لإقناع الدول المعنية أيضا، لكن البيروقراطية الأميركية لديها حساباتها الخاصة، والتغيير إذا حصل فلا يمكن قراءته من تغريدة «توتيرية».

في إشارة إلى أنها تغيير في سياسة واشنطن ومؤسساتها العميقة.

ولكن كيف يمكن تفسير كل ذلك؟

يمكن تفسير التصريحات القادمة بمثابة مؤشر لنظرة الرئيس ترامب.

فهو أعلن في أكثر من مناسبة، منذ حملته الانتخابية وبعد فوزه بالرئاسة، أن الاتفاق الموقع بين إيران والخمسة زائد واحد (أميركا، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وروسيا، والصين) سيئ، ويمكن أيضا ربطها في إطار حسابات أميركية داخلية؛ صراع بين المؤسسات، ويمكن مرة أخرى أن التصريحات تأتي في سياق دور إيران، ربطا بتطور الصراع في سورية واليمن، المسألة إذاً أكثر عمقا وتعقيدا، فالحكاية تبدأ من دور روسيا في الانتخابات الأميركية، مرورا بدور إيران في الساحات العربية، ووصولا إلى المكاسب الاقتصادية

والسياسية.

الموضوع ليس في التصريحات نفسها أو تفسيرها وتوقيتها، وسائل التواصل الاجتماعي منصة وليست دورا أو عملا سياسيا، لنصل إلى أنه «الرئيس المغرد شيء والرئيس الدور شيء آخر».

Exit mobile version