طارق زيدان-جريدة النهار
٣١/٥/٢٠١٨
لن يكون برنارد لويس المثقف الأول أو الأخير الذي يرحل تاركا خلفه لغطا كبيرا عن مدى تأثيره في السياسة. وهنا أقصد بالمثقف المعنى الواسع غير المقيد. سواء أكان مؤرخا أو علامة أو شاعرا أو حتى صحافيا.
برنارد لويس، الذي غيبه الموت عن عمر يناهز المائة عام، هو صاحب الكتاب بعنوان “ما الخطأ الذي حدث: التأثير الغربي وردود فعل الشرق الأوسط”. والمعروف بعلاقته المؤثرة مع إدارة الرئيس الأمريكي بوش الابن. وهو أيضا المؤرخ البليغ والأكاديمي العريق الذي انقسم العرب حول تصنيفه، بين من رآه مستشرقا لا يحترم العرب والمسلمين. وآخرون ما زالت نظرة الإعجاب تجاه المثقف الأجنبي تطغى على حقوق العرب الإنسانية. كاحتلال فلسطين والعراق وفوضى الربيع العربي.
سيرة تستحق الجدل المثار بدون شك. غير أن اللغط الدائر حول لويس وتأثيره لا يقف عند حدود شخصه. بل يتخطاه الى أساس العلاقة بين المثقف والسياسة بشكل عام. علاقة عنوانها الاضطراب والمطبات. علاقة كانت وستظل في مد وجزر. تخضع لعوامل كثيرة منها الإنسانية والنفسية والأيديولوجية والاقتصادية وغيرها.
يمكن تشبيه هذه العلاقة برحلة طائرة خط سيرها كله يمر بمطبات هوائية. لا القبطان، وهو السياسي، يستطيع التحكم بأحوال الطقس. ولا مساعد القبطان المثقف له القدرة على إقناع القائد وبرج المراقبة والموظفين والركاب بأن الأحوال الجوية ستنجلي.
بمعنى أخر، هذه العلاقة المثيرة والمضطربة هي علاقة بين عالمين لكل منهما حقائق جامدة. فالمثقف يبحث عن الحقيقة والسياسي يبحث عن الوسيلة، وعلى حساب الحقيقة أحياناً، أي مجبرٌ أخاك لا بطر. يكفي من الناحية الإنسانية أن المثقف يملك حرية الحركة والاختلاط، بعكس السياسي. والمثقف يملك أن يوصف نقده للقضايا إيجاباً أو سلباً، وعند السياسي يكون النقد فقط للقرارات.
حسنا، بمعزل عمن هو مع برنارد لويس أو ضده، لا يمكن مقاربة الموضوع بالجملة. ولا بالشخصنة. الموضوع بكل بساطة محكوم بعلاقة عنوانها الأساسي التقلبات.كتب عنها الكثير وسيكتب عنها أكثر. ولنا في العالم العربي منها نصيب. والحديث عن علاقة المثقف بالسياسة يأخذنا الى الجانب الإنساني فيها والمغيب عن التدوين والسجال. الجانب العفوي المضيء إن شئتم.
الوجه الأخر من السجال
وعن علاقة المثقف والسياسي في منطقتنا العربية وتحديدا في القرن الماضي لم تستحوذ علاقة على بريق وأهمية كتلك التي كانت بين محمد حسنين هيكل والرئيسين المصري جمال عبد الناصر وأنور السادات. فلقد كان يجسد هيكل المثقف الذي وقف على أذن صاحب القرار.والصديق الأقرب للسياسي من خارج دائرة السلطة. كان مؤثرا تارة ومتأثرا تارة أخرى. والصحافي الأبرز، المشارك في صناعة الخبر بدلا من نقله فقط.
علاقة تحمل الكثير، إنقسم الناس معها أو ضدها. الا أنه لا يجوز تغييب الجانب الإنساني وهو كبير. سألت مرة الأستاذ هيكل إذا ما كان يعرف عبد الناصر حديقة الهايد البارك وشوارع لندن ومقاهيها العريقة. فجاء الجواب حاضرا كعادته قائلا “بتقول إيه؟ مسكين ده”. ثم يكمل بأن عبد الناصر كان يحب أن يسمع منه عن لقاءاته مع الصحافيين والفنانين في المقاهي والمطاعم التي لا يستطيع زيارتها لأسباب أمنية. خاصة مقهى تراس سميراميس الذائع الصيت في القاهرة. حتى أن هيكل تلقى مرة اتصالا من الرئيس عبد الناصر يسأله بأن يخمن من أين يتصل به. ولم يصب هيكل في إجابته ظنا منه أنه في مكتبه بالرئاسة. غير أن عبد الناصر السعيد بالمفاجأة والغارق بالضحك آجاب بأنه في مقهى تراس سميراميس وأنه رتب اجتماعه مع رئيس قبرص المطران مكاريوس هناك عمدا.
ومع الرئيس السادات، حزن هيكل في زنزانته عند سماعه خبر اغتيال الرئيس السادات، فهو كان يبكي على فراق صديق وضعه في السجن وقتل غدرا. لينهي هيكل الحديث، وقتذاك، واصفا علاقته بعبد الناصر بالآتي: السياسة بدون ثقافة عبارة عن سلطة فقط.
على العموم لم يكن هيكل المثقف المصري الوحيد الذي أقام علاقة مميزة مع الوسط السياسي. هناك كريم ثابت مع الملك فاروق ومصطفى العقاد مع سعد زغلول ومحمود عزمي مع علي ماهر وأنيس منصور مع السادات.
أما خارج الحدود العربية، فقد عرفت السياسة علاقات مشابهة بين زعماء ومثقفين. مثلا جيمس رستون في أمريكا مع كينيدي. وكونراد الرس في ألمانيا مع براندث. وألكسي أدجوبي في روسيا مع خروتشوف. وبيف موري في فرنسا مع ديغول وغيرهم كثر.
أصلا، لا عاصمة تجسد العلاقة بتجلياتها كعاصمة النور الفرنسية. باريس لها في وصف العلاقة بين المثقف والسياسة إضاءة وعمق. علاقة تستمد من تقليد فرنسي ظل قائما منذ قيام ما تسمى بالجمهورية الخامسة. وهي العلاقة الحميمة بين رؤساء فرنسا من جهة والأدب والثقافة من جهة أخرى. على كل رئيس الأخذ بالحسبان تمثيله لبلد يقال إن لغته هي لغة موليير.
حتى أن الرئيسين السابقين نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند اللذين كانت علاقتهما بالمثقفين ضعيفة، حاولا تطوير هذه العلاقة خلال فترة حكميهما ليسجل كل منهما أنه حاول على الأقل. لنتذكر كيف برز برنار هنري ليفي منظر الربيع العربي الفاشل في ليبيا حتى اليوم.
ويظل الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك الأبرز في علاقاته الثقافية. مما جعله مؤهلا ليمنح اسمه في متحف كيه برانلي الواقع بالقرب من برج أيفل. طبعا لا يمكن القفز فوق مذكرات الجنرال شارل ديغول الأدبية التي كتبها بنفسه أو الرئيس جورج بومبيدو والملقب بالرئيس الشاعر.لدرجة أن علاقته الحميمة مع الثقافة دفعته لإنشاء مركز ثقافي يحمل أسمه في العاصمة الفرنسية. وأيضا الرئيس فاليري جيسكار ديستان الذي كان يحب أن يذكر مخاطبيه بأنه مولع بأدب غي دو موباسان.
الحقيقة هي أن العلاقة بين عالم الثقافة والسياسة لا يلغي الواقع. الواقع أننا نتعامل في أخر الأمر مع بشر. مع ناس يشغلون مواقع في الحياة لها لحظات بريق وأمل ولحظات عتمة وظلام. وحسابات سياسية لا يعرفها الا من هو في داخل دائرة القرار. أو كما يقال في وصف السلطة. أنها كالقلعة، من في داخلها يريد الخروج منها، ومن في خارجها يريد الولوج إليها. وأهل الداخل غالبا ما يريدون الخروج. للتمشي والتسلية بالحد الأدنى ومن دون اعتبارات.
طارق زيدان(*)
كاتب سعودي
![]()
