العهد الذهبي للعصر الجاهلي
طارق زيدان (*)
في العصر الجاهلي وقبل الاسلام حكمت الجزيرة العربية أربع قبائل رئيسة. كانت لها ادارة شؤون المنطقة من بين باقي العرب. تميم في نجد. كانت لها سيطرة على بلاد العارض واليمامة (عالية نجد وسافلها، منطقة الرياض وما حولها من القصيم واقليم الوشم وحتى الخرج). واسد في الشمال. وهم غير اسد بن ربيعة الفرس بل اسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن عدنان. والتي ساقها الطموح لتشكل ما سمى بالحلف الاعظم. سكنت في جبال اجا وسلمى (منطقة حائل).
الثالثة هي قيس عيلان بن نزار بن معد بن عدنان. وكل ما تناسل من عامرها وغطفانها وهوازنها، عبس وذبيان وشيبان وهلال وسليم وغيرهم (في العصر الحديث هم قبائل حرب وعتيبة وسبيع وسليم ومطير وغيرهم).
الاخيرة هي قريش في مكة. وقريش اسمه النضر ولقب بقريش من التقريش دلالة للقوة. وهي قبيلة عربية كنانية مضرية. واستقرت في مكة يوم جمعها قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر.
وإذا كبرنا الصورة الى الاطراف وعلى تخوم الجزيرة تحديدا سنجد ثلاث قوى اقليمية تحيطها. ولكل منها رافعة عظمى تدور في فلكها ونفوذها السياسي. دولة المناذرة في الحيرة (العراق اليوم) تتبع الفرس. والغساسنة في الشام تتبع لبيزنطية وفي جنوب الجزيرة اليمن، دولة حمير، التي قاومت حتى تم اخضاعها للحبشة.
هكذا كان شكل الجزيرة لناحية التوزيع الجغرافي للعرب. اما شكلها سياسيا، فقد خيم التنافس بين القوى المحيطة على علاقة القبائل فيما بينها، مهيمنة على الحياة بكل نواحيها، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، كما عطلت عملية الرخاء والاستقرار. حروب طاحنة بين الفرس والبيزنطيين دفعت القبائل كلها على احتراف القتل واللصوصية (الاغارة على القوافل التجارية).
التجأت كل من تلك القبائل الي حكم مناطقها بالعرف. ولتفادي الصراع مع جيرانها نسجت تحالفات قبلية اشبه باصطفافات سياسية واحزاب. تذكرنا هذه الاصطفافات بالانقسام الحاصل اليوم وان بعناوين مختلفة (ممانعة واعتدال). فنسج يومها حزبان عريضان بين القبائل هما شبابه وخندف (ومازالت هذه النخوة باقية الى اليوم بين قبائل الجزيرة). وبالرغم من ذلك دارت بينهم صراعات وحروب بالوكالة، كداحس والغبراء والبسوس وغيرها مما ورثناه من قصص وملاحم.
افضت الصراعات المستمرة والطويلة بين الاحزاب القبلية (حرب البسوس استمرت أكثر من اربعين سنة) الى فراغ كبير في القوة، رافقتها تحولات في التركيبة الاجتماعية القبلية. وقد فاض التراث العربي بالشعر واصفا هذه المرحلة. ومن أبرز هؤلاء الشاعر عمرو بن كلثوم في معلقته الشهيرة التي يصف فيها كيف انتقم من اهانة ملك الحيرة عمرو بن هند لامه قائلا: باي مشيئة عمرو بن هند تطيع بنا الوشاة وتزدرينا. ليكمل: الا لا يجهلن أحد علينا.
وكنتيجة لاستمرار الحروب، تعطلت حركة السلع القادمة من الهند ووسط اسيا، وأدت الى انقطاع البضائع في مناطق الصراع، تاركة الكثير من القبائل في حالة جوع وفقر. مما أثر سلبا على امان القوافل التجارية وغير التجارية.
فيما يخص الاقتصاد، لم يستطع اي من القبائل خلق دورة اقتصادية سليمة، حتى بمعايير ذاك الزمن. وكما في اي استثمار او اسواق تجارية، الاستقرار هو الاساس. فلا مساكنة بين المصالح والاسواق بدونه. فكان لكل منهم خياران: المواجهة ام الموالفة (من الايلاف).
لم يكن لأي من القبائل مركز حضاري او عاصمة محددة، بل اتسمت مناطقهم بملامح معيشية خاصة بكل قبيلة: قرى او مضارب ومناطق تجمع حول الماء.
باستثناء قريش. فمدينة مكة لديها تميز.
مكة كان يزورها الجميع لرمزيتها الدينية. يزورونها للحج. وتشهد في الاشهر الحرم سوقا محليا تعرض فيه منتوجات كل قبيلة. غير ان تأثير الحروب كان واضحا من موسم الى موسم. تسرق القوافل وتقطع الطرق التجارية. مما ادخل اقتصاد مكة في دوامة، سنة حسنة وسنة سيئة لتصبح سنين متتالية سيئة.
تميزت قريش عن باقي القبائل في الموقع. تفوقت عليهم بالجغرافيا. صحيح ان مكة محدودة الانتاج، واد غير ذي زرع، الا انها تقع في منتصف طريق التجارة بين الشمال والجنوب والشرق والغرب. ميزة أدركها سيد قريش هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب (جد الرسول صلى الله عليه وسلم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم). وانطلاقا من ذلك برزت رؤية هاشم لتحويل مكة، اقتصاديا واجتماعيا.
ولكن لنجاح هذه الرؤية، كان لا بد من إدراك شقها السياسي. وتلك قصة اخرى.
أدرك هاشم اهمية موقعه الجغرافي. فهو يرعى قوافل العرب التي تأتي سنويا لحج البيت. كل القبائل كانت تأتي لتبيت اياما واسابيع ثم ترحل الى مضاربها. هنا قيمة. هذه الحركة المكثفة لا بد من تحويلها الى عنصر استفادة. الى سوق كبير اشبه بالسوق الاوروبية او اسواق اسيا الناشئة في هذا الزمن. ولتحقيق ذلك لا بد من صد انعكاس الصراعات الدولية على الجزيرة. متخذا من صفر مشكلات مع محيطه سياسة لرؤيته.
وبحكم معرفته بأسواق الشام وذهابه اليها، سعى لتوقيع اتفاق مع البيزنطيين. وبعد لقائه القيصر اقترح هاشم عليه بان يفتح اسواق الشام للتجار المكيين واعطائهم حرية الحركة مع دفع مبالغ متفقة للمكوس (جمرك بمصطلح اليوم) في مقابل فتح السوق العربية وضمان حرية الحركة للبضائع البيزنطية وضمان سلامة تجارهم وطريقهم ذهابا وايابا.
عاد هاشم من رحلته حاملا اتفاقه ومصفرا مشاكله شمال الجزيرة. وعند مروره بكل قبيلة جير اتفاقه معهم، عارضا عليهم ان تحمل القوافل الشامية فائض منتوجاتهم لتسويقها وبيعها في مقابل حمايتهم. وان لم تكن للقبيلة من تجارة فلها مقطوع مادي كأجر حماية.
حققت القبائل ارباحا جديدة من جراء بيعها في اسواق جديدة وبكفالة حضورية وغرميه متمثلة بالقوافل نفسها.
انتعشت مكة اقتصاديا ومعها الطريق الرابط بينها وبين الشام، وكثرت زيارات التجار البيزنطيين الى مكة في اشارة الى ان القيصر كان يرى في الاتفاقية أكثر من شقها الاقتصادي. وتحولت مكة الى مدينة اقتصاد وخدمات وإلى مركز تجاري لكل من يريد العمل او المتاجرة في الشام.
وبعد موت هاشم في احدى رحلاته، أكمل اخوته مشروعه. واستمروا في سياسة صفر مشكلات. استمروا في الرؤية.
فذهب شقيقه عبد شمس (ابو امية، جد الامويين) الى الحبشة مقدما العرض نفسه الى حاكمها النجاشي الذي قبل العرض فاتحا السوق الحبشية امام التجارة المكية. وذهب نوفل الى بلاد فارس عاقدا اتفاقا مع كسرى فاتحا السوقين العراقي والايراني. وايضا سعى اخاهم الرابع المطلب لأخذ العهود والمواثيق من زعماء القبائل اليمنية في مؤشر على إدراكه البيئة المتقلبة، حيث يطغى حكم الزعامات المحلية على السلطة المركزية.
ومع كل تصفير لمشكل، يذهب الاخوة لتامين خط التجارة. ويسعون للاتفاق مع القبائل الاخرى. من هنا اصبحت قريش مركز ثقل اقليمي. تخرج كل سنة رحلتان صيفا وشتاء. الشام في الصيف واليمن في الشتاء (المشار اليهما في الآية القرآنية الكريمة رحلتا الشتاء والصيف)، فضلا عن انتعاش الاسواق المحلية كسوق عكاظ.
راحت القوافل التجارية تجوب العراق والشام واليمن ومصر محملة بكل البضائع. الصوف والاقمشة والاسلحة من اهل الجزيرة والعود والبخور من الهند والمنسوجات من مصر عدا عن خمور الشام الشهيرة، كخمر قرية بالقرب من دمشق اسمها الاندرينا التي جاء ذكرها في معلقة عمرو بن كلثوم: الا هبي بصحنك واصبحينا ولا تبقي خمور الاندرينا.
وهكذا عاشت الجزيرة فترة من الزمن يمكن وصفها ب“العهد الذهبي للعصر الجاهلي”. تحقق الامن نسبيا، فانصرف الرجال عن الحروب وتوجهوا الى الشعر والتجارة والتزاوج. وتحولت مكة الى عاصمة اقليمية منصبة قريش سادة بين العرب. حيث أصبحوا وسطاء عند حدوث الخلافات بين التجار والقبائل، وجدار عزل ودرع للجزيرة عند المنعطفات السياسية الكبيرة. نشطت ايضا الحركة المالية وأعمال الصيرفة مع رصد تداولات للعملتين الفارسية والبيزنطية. وارتفعت جراء ذلك حركة التجارة في موانئ البحر الاحمر كميناء جدة.
(*) كاتب سعودي
![]()
