«العم سام»: لحظة صعود إمبراطورية.. وسقوطها!

بشعره الأبيض الطويل المغطى بقبعة يعود بتصميمها إلى القرن التاسع عشر، وتعكس تحديدا أزياء سكان مدينة نيويورك، يخاطبك «العم سام» بسبابته ونظراته من خلال الملصق الشهير المنشور عام ١٨٥٢ والذي أصبح اليوم شعار الإمبراطورية الأميركية، ليوجه الدعوة إليك للانضمام إلى الجيش الأميركي.

يحاكي الشعار تاريخ ونشأة قوة عالمية أثرت في تاريخ البشرية، ويحكي قصص الهجرة والدم والمال والأمل والابتكار والاحتلال، فاسم «العم سام» مأخوذ من اسم جزار محلي أميركي يدعى «صموئيل ويلسون» كان يزود القوات الأميركية المتواجدة في مدينة تروي بولاية نيويورك بلحوم البقر، وكان يدمغ شحناته من لحوم البقر بحرفي U.S. (أي الولايات المتحدة) في إشارة إلى أنها ملك الدولة، فأطلق لقب «العم سام»: كلمة Uncle لحرف U، وSam لحرف S.

في الشعار أيضا قصة صعود إمبراطورية عالمية؛ صعود من الميليشيا/ الدولة إلى الميليشيا/ الدولة العظمى التي حجزت لنفسها مقعدا في تاريخ الأمم مثل إمبراطوريات سابقة، التاريخ لا يحمي المستغفلين.. هي لحظة تماس لعناصر تفوق وطني في مسار النشوء والتطور للدولة.. هو ما يسميه المؤرخون بـ»مكر التاريخ»، أو كما قال الصحافي العربي الكبير محمد حسنين هيكل بأن الحلم الإمبراطوري «يقوم على ضرورات أمن وطني ومطالب صراع دولي وليس حلما شخصيا».

اللحظة التاريخية

ففي لحظة تاريخية، اجتمع الشعار والحلم والمطلب الدولي، لحظةً أوجدت عناصر تحويل الدولة إلى إمبراطورية، لحظةً قطفها الجيش الأميركي عند انتهاء الحرب العالمية الثانية.

فقد تأخرت واشنطن في دخول الحرب الثانية، وقد كان لتسويف الرئيس الأميركي آنذاك روزفلت أسبابه العديدة. لم يكن رئيس وزراء بريطانيا تشرشل غافلا عن الأسباب الأميركية، بل كان يقف مراقبا انحسار الإمبراطورية البريطانية أمامه على الخريطة وكان متيقنا أن الفراغ الناتج عن هذا الانحسار لا بد وأن يملأه أحد ما، إلا أن تشرشل انتظر لأنه كان مؤمنا بعامل الوقت. قدر أن روزفلت سينخرط في الحرب ضد هتلر، لأن انهزام بريطانيا أمام ألمانيا سيضع واشنطن أمام خيارين: إما أن يتحول المحيطان الحاميان للبر الأميركي (الأطلنطي والهادئ) إلى سجن كبير يحبس أميركا أو أن يغزو هتلر أميركا.

وحين تبدى أمامه التوقيت توجه إلى واشنطن، وما أن نزل تشرشل ضيفا على البيت الأبيض حتى كان روزفلت، ولشدة حماسته للقاء، يتوجه مسرعا إلى جناح رئيس حكومة ملكة بريطانيا الشهير بخطاباتفوجئ تشرشل بوجود الرئيس الأميركي في حمامه، غير أن روزفلت عاجله بالقول «لقد أمسكت بك، لقد كشفتك». جاوبه تشرشل بطريقته المليئة بالرسائل السياسية «ليس هناك ما يخفيه رئيس وزراء صاحبة الجلالة عن صديقه وحليفه رئيس أميركا».

توالت اللقاءات بعدها، إذ تبادل الرجلان أكثر من ١٧٠٠ خطاب وبرقية، واجتمعا ١١ مرة، ليصدر بعدها إعلان مشترك يعرف بـ «ميثاق الأطلسي»، وهو عبارة عن وثيقة بين القوتين تعبيرا عن مبادئ مشتركة في السياسات الوطنية للبلدين. وبالفعل، تمكّنت بريطانيا من خلال الإعلان من طلب بضائع حربية من واشنطن عن طريق الدين، وهي مساعدة كانت بريطانيا بأمس الحاجة إليها، غير أن أميركا لم تدخل الحرب بعد.

وحين دخلت واشنطن الحرب من بابها العريض في حادثة الهجوم على ميناء بيرل هاربر جراء الغارة الجوية اليابانية المباغتة، كان تشرشل واثقا من فوز الحلفاء بالحرب في نهاية المطاف، وبدأ يعمل على تعزيز العلاقة الأنجلو – أميركية لعالم ما بعد الحرب.

ومع هول الحدث الذي أدى إلى مقتل 2402 جنديا أميركيا وجرح 1282 آخرين، فضلا عن خسائر كبيرة في الأسطول البحري الأميركي، انتقلت واشنطن من إدارة الظهر إلى الانخراط المباشر في الحرب، فكان أول عبور عسكري أميركي من البحر إلى البر، وتحديدا على خشبة المسرح الدولي في أوروبا وآسيا.

روزفلت وتشرشل في حوض الحمام

لا شك بأن العلاقة الحميمة بين تشرشل وروزفلت أسهمت في تأسيس العلاقة المتميزة اليوم بين لندن وواشنطن، إلا أن هذه العلاقة كانت إدراكا من بريطانيا للدور الأميركي الصاعد لعالم ما بعد الحرب. فهي علاقة بين رجلين يعرفان حجم القوة وتأثيرها.

حتما غيرت الحرب العالمية الثانية خريطة الكون، وأفرزت سلسلة أزمات تبدأ من تأمين الحدود بين الدول مرورا بالاقتصاد ووصولا للبنية الاجتماعية التي تمزقت جراء أزمة حادة للجوء، ومن نتائج هذه الحرب عودة جميع الدول إلى حدودها القديمة باستثناء بولندا التي توسعت على حساب ألمانيا، كما قسّمت أوروبا إلى مناطق نفوذ ومعها ألمانيا إلى شرقية وغربية بعاصمتين، كما انخفضت نسبة الولادات مقابل ارتفاع نسبة الوفيات، فضلا عن تفشي البطالة وزيادة عدد الإناث بالقياس مع الذكور.

تكدست الديون وتحولت دول أوروبا من دول مصدرة إلى دول مستوردة، وأصاب الدمار المساكن والمصانع ووسائل النقل والمزارع. بمعنى آخر كانت دول العالم الكبرى وتحديدا الإمبراطورية الإنكليزية في الحضيض.

في الوقت نفسه، تمكنت واشنطن من الحفاظ على أساسيات اقتصادها الصناعي، وانحصر تأثير الحرب على نسيجها الاجتماعي، فبرزت أمام حلفائها المنتصرين كقوة عالمية، لا بل صارت نظرة العالم إلى تضحيات الجيش الأميركي وقادته نظرة بطولة. هم قادة النصر ضد النازية والفاشية.. هم أصحاب القنبلة النووية التي غيرت مجرى الحرب، والأهم أن قادة جيش «العم سام» موجودون بجيوشهم في مواقع الحرب. في أوروبا وآسيا والمحيط الهادئ والبحر الأبيض المتوسط، ولم يستطع أحد أن يطالبهم بالانسحاب، بل تمسكت بهم بعض الدول خشية الضعف والدمار، ما جعل الجيش الأميركي يتربع على كرسي السلطة في الفضاء السياسي لعالم كان يفيض بالخراب.

جلس ثلاثة من كبار قادة جيش «العم سام» على سلطة العالم يحكمون في لحظة ما بعد الحرب: في واشنطن الجنرال جورج مارشال وزير دفاع روزفلت الذي أصبح لاحقا وزير الخارجية في عهد الرئيس ترومان وصاحب مشروع مارشال. وفي باريس، الجنرال دوايت آيزنهاور قائدا عاما للجيوش المتحالفة. وفي طوكيو الجنرال دوجلاس مكارثر وصيا على اليابان وبحر الصين.

من هذه اللحظة بدأ التحرك نحو مشروع الإمبراطورية.. لحظة اجتمعت فيها دواعي أمن وطني أميركي ومطلب دولي. أخذ قادة الجيش الأميركي المهمة على عاتقهم من مواقعهم الجديدة في حكومة «العم سام». تحديدا الجنرال آيزنهاور الذي انتخب لاحقا الرئيس الرابع والثلاثين للولايات المتحدة الأميركية.

حينها نشأت نظرية الأمن الأميركي على مبادئ استراتيجية محددة. التفوق العسكري على كل القوى الدولية مجتمعة والتطور التكنولوجي لصالح «العم سام» فقط والمرونة في الحركة العسكرية بالاشتراك مع الحلفاء.

نظرية «المرونة» هذه أفرزت خريطة عالمية عسكرية تتماهى مع الخريطة السياسية الجديدة بتحدياتها، ضمت الخريطة قيادة في أوروبا (حلف الناتو) وقيادة في آسيا مرتكزة على اليابان وقيادة لم يكتمل لها النجاح وهي قيادة الشرق الأوسط (حلف بغداد) عام ١٩٥٥م.

نظرية أمنية جيوسياسية عرفت في ما بعد بمبدأ آيزنهاور، وعرضها في رسالته الخاصة إلى الكونغرس عام ١٩٥٧، وبحسب المبدأ ذاته يكون بمقدور أي بلد طلب المساعدة الاقتصادية الأميركية أو العون العسكري الأميركي. هذا المبدأ جاء ردا على بروز الاتحاد السوفياتي.

أما على الصعيد الداخلي لنظرية الأمن الأميركي الجديدة فقد تجسدت بالعدد الهائل من ضباط الجيش الأميركي الذين أصبحوا يشغلون مناصب مدنية في الحكومة والشركات الأميركية الكبرى، وبحسب إحصاءات العام ١٩٥٩ في موقع وزارة العمل الأميركية تبين أن هناك أكثر من 200 ألف موظف قدموا من الجيش الأميركي!

المهم، اشتغل أهل المال في الصناعة والتمويل وتطوير التكنولوجيا لهذا التحرك نحو الإمبراطورية، ولحق بهم أهل السياسة لخدمة هذه الاستراتيجية بتشريع القوانين في الكونغرس، وعمل أهل السلاح على تعزيز التفوق العسكري والانتشار العالمي.

قام المجتمع الأميركي بابتكارات رائعة، مثلا التواصل الإلكتروني (الفاكس) وجد في خدمة الجيش الأميركي منذ خمسينات القرن الماضي، ليصبح متوافرا لاحقا بثلاثين سنة للقطاع الخاص في الثمانينات، وبعدها الهواتف النقالة والأقمار الاصطناعية وأجهزة التنصت والتشويش وغيرها من تكنولوجيا تنتمي للقرن العشرين، بينما نعيش في القرن الواحد والعشرين.

وعلى رغم سقطات دموية لأهل السلاح كحرب فيتنام وتحديات كبيرة لأهل السياسة كالحرب الباردة مع السوفيات مع تقلبات اقتصادية عالمية لأهل المال، استمرت العلاقة بين المال والسياسة والسلاح تنمو وتزدهر، معززة التحول الإمبراطوري بإدار ضباط «العم سام».

هنا يمكن فهم سياق تصريح الرئيس آيزنهاور الشهير في خطاب الوداع الأخير له عام ١٩٦١، عندما حذّر من دور مجمع صناعي عسكري وسياسي واقتصادي يصل نفوذه إلى عمق مؤسسات الدولة.

أدرك آيزنهاور أن فكر الميليشيا ما يزال حاضرا في دولة «العم سام»، وأنه يجري في عروقها من خلال جيشها القابض بيده على خريطة العالم. الجيش الذي نشأ من جملة محطات لا يمكن إخضاعه بعد التطور نحو العالمية، نشأة يمكن تتبعها منذ بداية الهجرة نحو العالم الجديد من الشرق إلى الغرب بعبور المحيط الأطلنطي، وما تلاها من هجرة داخلية في عمق القارة الأميركية من شواطئ المحيط الأطلنطي إلى شواطئ المحيط الهادئ، والحاجة الدائمة للجم تدفق المهاجرين وتثبيت السلطة في دولة تتوسع أراضيها بسرعة الانتقال. لذلك، اكتسب الجيش الأميركي مهارات الانتقال السريع إلى ساحات المعركة.

خاضت هذه الدولة حربين أساسيتين في ذاكرتها الجماعية: حرب الاستقلال بقيادة جورج واشنطن والحرب الأهلية بقيادة أبراهام لنكون. وكلا الحربين انتصرت فيهما الدولة باعتمادها حرب العصابات، وفق المؤرخين.

لا يمكن القفز فوق عناصر تفوق كثيرة للدولة الأميركية. منها الانفتاح الاجتماعي والفردية المنتجة بعيدة عن قيود الجماعات. والمقدرة الكبيرة لجهازها الإعلامي والإعلاني، لكن إذا أردنا البحث عن العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس لا يمكن القفز من فوق المؤسسة العسكرية أو البنتاغون، كما صرح الرئيس آيزنهاور. فالعلاقة الأساس تظل بين ثلاثية المال والسياسة والسلاح في صناعة القرار السياسي هي السلطة الحقيقية في إمبراطورية «العم سام».

الخلاصة: أميركا لا يحكمها العسكر، والمؤسف أنه يصعب على كثيرين فهم آلية صناعة القرار السياسي في أميركا أو حصرها بين حدود البيت الأبيض والكونغرس فقط، الواقع أن هذه العلاقة تمر من خلال مجموعة مصالح متشابكة ومؤسسات عدة عامة وخاصة، هي منظومة متكاملة يصلح تسميتها بـ «الإستبلشمنت»، أو اختصارا «العم سام».

«العم سام» شعار وقصة وعقيدة، تظل عقيدة «العم سام» في حماية الحرية والديموقراطية من أعداء الداخل والخارج كما يقول القسم في الجيش الأميركي. وتظل فصول روايتها مستمرة، يكتب التاريخ لحظة الصعود، فهل يكتب أن احتلال العراق العام ٢٠٠٣ هو لحظة سقوط الإمبراطورية؟

Loading

اترك رد

اكتشاف المزيد من طارق فريد زيدان

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading