العدنانية السياسية: صناعة الرمز
(*) طارق زيدان
يظل الشعر العربي المعين الأكبر والأكثر دقة في هذا المجال على المراجع والكتب. فقد عُرف عن العرب ولعهم بالشعر والشعراء وحفظ إنتاجهم، ليغدو الشعراء في العهد الأموي والعباسي وظيفة في الدولة، إضافةً إلى دورهم في المجتمع. وكما ذكر المؤرخ وحكاء القرن الرابع هجري أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي (ت٤٢٩ ه) صاحب مؤلف فقه اللغة وسر العربية في توصيفه للأحداث بأنه إذا لم يرد ذكره في الشعر فهو مختلق.
اهتم الأمويون بالشعر. ولهذا الاهتمام الشديد نشأة منذ ولادة هذه الدولة. فبعد استتباب الحكم لمعاوية بن أبي سفيان تعاون بنو أميّة في إرساء قواعد دولتهم من خلال بناء الدواوين مع الاهتمام البالغ بالعلماء والشعراء، فازدهرت مهنة الشعر مع اتّساع الدولة، وتطوّرت أساليبه وطرق ترويجه. ومن أشهر شعراء تلك المرحلة الفرزدق، وجرير، والأخطل، وعمر بن أبي ربيعة.
إضافةً إلى ذلك، تعدّدت في تلك المرحلة، ومع اتساع رقعة الدولة الأموية وضمّها بلاداً وثقافات جديدة، المواضيع الخلافية. يمكن اعتبار هذه المرحلة مرحلة الربيع العربي للشعر والشعراء. فبعد تركيز الشعراء على الدعوة والإرشاد في عصر صدر الإسلام، وُجدت بيئة تبحث عن خطاب يتماهى مع تحديات العصر، وهو ما أدركه بنو أميّة، فاستُحدث دور الرقيب على الفضاء الإعلامي العربي.
من هذا المنطلق يمكن القول إن الشعر والشعراء أكثر الآليات فاعلية في زمن أول دولة في العالم العربي: الدولة الأموية. عندئذٍ تصبح الأحداث التاريخية موثّقة بسرد تراثي يتّسق مع الدولة وسياستها، منتجة الأب الروحي للقومية العربية ألا وهو عدنان الرمز.
الشعر والسياسية
في ذلك الزمن البدائي لناحية التكنولوجيا، حيث لا طباعة ولا أدوات إلكترونية فيه، كانت لغة الشعر الخطابية مفتاح السياسة وصناعة القرار ونقل المعلومات. هي الحقيبة الدبلوماسية لذلك الزمن. وهي جريدة الأخبار ونشرة التلفاز ومقالات الرأي. وفي أحيان كثيرة تقارير استخبارية لصانع القرار، والأهم من ذلك كله هي الرأي العام.
نقل إلينا أجدادنا من خلال حفظهم للشعر الرأي العامّ لقومنا العرب قبل آلاف السنين، رأيهم في قضايا الاقتصاد والسياسة والمجتمع، كما تفاعلت مع الأحداث. ليبرز الشعراء كنجوم الإعلام في هذا الزمن، منهم من أصبح وزير إعلام في دولة ما، ومنهم من تنحّى لدور الناشر مستقطباً الشعراء، ومنهم من باع موهبته سعياً خلف لقمة العيش فأصبح بوقاً للسلطة. وبعضهم اتّخذ الشعر وسيلة للمعارضة السياسية وهكذا.
وقد استغل يزيد بن معاوية الشعر والشعراء لتلك الأهداف في خلق الرأي العام المؤيد له. وفي بداية عهده استمال بني تغلب وشاعرهم الأخطل الذي أخذ المقدمة في هذا المجال. فكان الأخطل الجريء المفوه اشبه بصوت العرب. أشبه بإذاعة عربية يتناول الكل قصائده ويتناقلها كنشرة الأخبار الرسمية كل ليلة.
وإذا ما قرأنا التاريخ فسنجد أنّ حكم بني عدنان على العرب امتد سنوات طويلة، مغطّياً كامل جغرافيا الشرق الأوسط. فمنذ استيلاء قصيّ بن كلاب على السلطة في مكّة، وتوسّع بني قيس عيلان في مناطق نجد وسط الجزيرة العربية، ومزاحمة بني أسد القبائل القحطانية في بر الشام، ونزول بني تغلب الهلال الخصيب، وجد القحطانيون أنفسهم في دائرة من الحصار العدناني تلفّهم. فاحتكر آل عدنان الفضاء الإعلامي.
ألف ومئة سنة تقريباً تربع خلالها العدنانيون على الفضاء الإعلامي العربي. هي الفترة الممتدة منذ حكم قصي بن كلاب لمكة مرورا بعهد صدر الإسلام ووصولا الى العهدين الأموي والعباسي. إلا أن التحول الكبير في تضخيم عمل هذه المنظومة الإعلامية حدث في دولة بني أمية القرشيين العدنانيين تحديدا، لتتبعها الدولة العباسية المترامية الأطراف، فقد ضاعفت المساحة الجغرافية للسلطة.
هذا لا ينفي دور رجال من بني قحطان وبلاد فارس والكرد وغيرهم في العدنانية السياسية على مرّ التاريخ، إلّا أن العنوان العريض لهذه الفترة هو سلطة بني عدنان. بمعنى آخر احتلال بني عدنان كرسيّ السلطة، وإمساكهم بوسائل الإعلام لفترة زمنية طويلة، ساهما في تثبيت صورة عدنان الرمز بجانب عدنان الجدّ.
هذا الزخم الإعلامي والمملوك لدولة بني عدنان في جميع مراحلها نقل الصراعات السياسية بعيون عدنانية إلى المكتبة العربية، ما ساهم في تثبيت الرمز على حقيقة الشخص والنسب، تحديداً في العهد الأموي، الذي اتّخذ القومية العربية شرعية لنظامه، فبنى حكّام أمية دولتهم بطبقية هرمية.
هنا لا يمكن القفز فوق مجموعة من المواريث الثقافية في فهم العقل الأموي، الذي نجح في تمكين بني عدنان من الإمساك بالسلطة مدة طويلة من خلال صناعة الرمز، صناعة الرمز وتثبيته في التراث من خلال عمل استراتيجي تلزمه رؤية سياسية لا نظرة عصبية، إذ لا يمكن لأعرابي جاهل كما تصفه السيرة في عهد ما قبل الإسلام أداء أدوار سياسية واستراتيجية طيلة قرون.
العقل الأموي
هي العقلية المركّبة لدى العربي العدناني القرشي ابن مكة والأمويّ تحديداً، التي تمتلك المقدرة على تفكيك التحديات والتعاطي معها من باب العملانية والمرونة. جامعاً بين النقائض متحرراً من القيود بعكس الأعرابي المكبّل بالعادات والتقاليد. وعُرف عن أهل المدن في الحجاز الحذر الدائم في التعامل مع الأعراب، حيث كانوا يصفونهم بالغِلظة والقسوة.
هذه العلاقة بين أهل مكة والأعراب تدعونا إلى التأمل في صياغة الموروث التاريخي، تحديداً عند صياغة ضوابط الإمارة والحكم عند العرب، فلا يمكن الحديث عن صورة الأعراب في التاريخ بمعزل عن الموقف السياسي من السلطة.
اقتصرت الإمارة على قريش بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. حين طالب الأنصار (الأوس والخزرج) بأمير منهم وأمير من قريش جاء الرد القرشي العدناني حاسما باجتماع السقيفة وإجماع صحابة الرسول على الخليفة أبو بكر الصديق، على الأثر ارتدّ بعض من العرب (كل القبائل ارتد منهم نفر باستثناء أهل المدينة ومكة والطائف وبعض القبائل المجاورة)، انطلقت ما يسمى بحروب الردة ضد القبائل المعارضة للخليفة الجديد، والمصنّفة في خانة الأعراب، كقبيلتي تميم وأسد.
مع انتهاء الحملات العسكرية لاسترجاع مناطق الانفصال توحدت كامل الجزيرة العربية تحت مظلة الحكم في المدينة المنورة. فاتحا الباب العريض للتوسع العسكري خارج الحدود في العراق والشام ومصر وذلك من خلال عملية التجنيد لأبناء القبائل ولبعض الباحثين عن فرص وافاق واعدة بعد خسارة الموقع الاجتماعي والمكاسب الاقتصادية ومميزات أخرى. فأختار الكثير منهم الالتحاق بالمشروع الجديد لدى سلطة الخلافة في المدينة المنورة. هي حقبة الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان التي اتّسمت بالتوسّع والانتشار في منطقة الشرق الأوسط. امتدت المدة الزمنية للعهدين حوالي الاثنان وعشرون سنة (١٣ه – ٣٥ه). مرحلة التأسيس للطفرة السياسية والنمو الاقتصادي المطرد التي تربع على سلطتها القرشيين.
برزت طبقة جديدة للحكم. أوليغارشية تتمتع بالثراء الفاحش المرادف لامتيازات السلطة. ثم بعد دخول المنطقة العربية ركودا اقتصاديا بتوقف عملية التوسع والانتشار حصل الشرخ في المنظومة. المنظومة التي كانت الغنائم من الغزوات والفتوحات تسافر الى العاصمة في المدينة المنورة إلى بيت مال المسلمين لإعادة توزيعها على المواطنين في دورة اقتصادية وقودها التوسع الجغرافي. لابد من الإشارة إلا أن التوقف في سياسة التوسع مرده الحدود السياسية المرسومة من قبل القوى العالمية أنذاك وليس قرار فردي.
أفرزت تدني الأحوال العامة معارضة تشكو من غياب العدالة الاجتماعية. موجهة سهام المعارضة ضد الحكم العدناني في معقل السلطة المدينة المنورة. سريعا ما تحولت المعارضة الى ثورة وحصار للعاصمة. الحصار الذي التي انتهى باغتيال للخليفة عثمان بن عفان مقسِّمة العرب إلى محورين سياسيين.
طالب أصحاب الدم (بنو أميّة) بمحاكمة القتلة (محكمة دولية)، بينما طالب الفريق المقابل (فريق الإمام علي بن أبي طالب الخليفة الجديد) بالمحافظة على استقرار السلطة بعد خروج قوات الوصاية المصرية من المدينة المنوّرة (ثوار أرض الكنانة). في المحصّلة ظفر بنو أمية بالحكم (الأمارة)، وآلُ عليّ بن أبي طالب بالإمامة (المرجعية)، ولحقت معظم القبائل العربية (عدنان وقحطان) بمظلة الدولة الجديدة.
هنا زُرعت نواة الشرعية الأموية من خلال القومية العربية، ومن منطلق مقتضيات الحكم. من منطلق خلق التوازن بين حزبين سياسيين بكل ما يحملانه من عسكر وشعراء وخطاب وشعارات. من رحم هذه التحديات المصيرية خرجت الدولة الأموية بعنوان عريض اسمه عدنان الرمز لتثبيت الشرعية في الحكم. ثم وفرت الأدوات اللازمة لصناعة الرمز عدنان: الجدّ الجامع المانع.
إلّا أنّ في صناعة الرمز عدنان بذورَ صراع طبقي قديم بين أهل المدن والأعراب. والتنافس السياسي أخذ هذا الرمز إلى حدود الأيديولوجيا من خلال الشعر والنثر المتواتر. لربما رواسب الصراع الطبقي في عصر ما قبل الإسلام مثّلت هوية التراث العربي كما نراه في المراجع ومعه عدنان الرمز.
يطغى عدنان الرمز على السيرة في متون المكتبة العربية، فهناك دور لعدنان هو أقرب إلى بعث جديد للأمة. لسان العرب “القرآن” هو لغة قريش العدناني (قريش هو لقب النضر الجد الثاني عشر للرسول)، وشرعية القيادة السياسية لعدنان في مرحلتيها العروبة /الأموية في التأسيس، والإسلام/ العباسي في الانتشار. لنصل الى أن تراث الأمة كتبه أحفاد عدنان بعطاء وخيال متدفق وفّر لهم التفوق التاريخي. فأصبح عدنان الرمز جامع الأمة الإسلامية بلسانه اليوم.
![]()
