العدنانية السياسية: سيرة ونسب ورمز
(*) طارق زيدان
عدنان السيرة،
هي حكاية مولد أمّة.
هي حكاية أبي العرب المستعربة، والجِذم العربي الثاني الكبير المقابل لقحطان، والجَدّ العِشرين للنبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
هي سيرة أب تقليديّ لعائلة غير تقليدية.
هي سيرة سياسية للأمّة العربية. حكاية قوم تصل إلى حدود الأيديولوجيا القومية.
عدنان النسب يرمز إلى مرحلة كاملة في مسار الحضارة الثقافية الكونية. هم العدنانيون الذين تسلّموا شعلة الحضارة الإنسانية من اليونان طيلة عشرة قرون، ثم مرّروها إلى الأوروبيين أصحاب عصور النهضة والصناعة، فأصبح العربي حين يتذكّر أمجاد قومه ينادي على حقبة عربية إسلامية عرّابها بنو عدنان.
وبالرغم من ذلك كلّه أيضاً أعطى التاريخ المجد لأبنائه بالنسب بحسب المراجع وأيديولوجيا الأمة العربية، ليصبح عدنان رمزاً، إضافةً إلى النسب والسيرة.
عدنان الأب الروحي للقومية العربية.
كل أمجاد العروبة من صلب رجل واحد اسمه عدنان، في خيال يتنافى مع طبيعة الكون وحركة التاريخ. هنا لا أنفي المجد العربي ذاته. ما كُتب في المراجع مهم، ومَن كتب مهمّ أيضاً، إلّا أن السؤال يبقى كيف كُتبت السيرة؟ وكيف صُنع الرمز؟
السيرة
تناقل النسّابة اسم عدنان في مقابل قحطان من دون ورود ذكره في المراجع الكلاسيكية. باستثناء ابن إسحاق وابن السائب الكلبي. كما ورد اسمه في الشعر الجاهلي في بيت منسوب للشاعر لبيد بن ربيعة العامري من بني عامر من بني عدنان، ولعباس بن مرداس.
وبحسب القواعد التدوين المتفق عليها، فإن عدنان هو من نسل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. اختلف المؤرّخون في عدد الأجداد بين إسماعيل وعدنان. منهم من عدّ عِشرين اسماً، ومنهم من قال بأربعين.
يعزو الكثير من المستشرقين الاختلاف في سلسلة النسب إلى أصل عدنان نتيجة للتعريب الخاطئ للأسماء العبرية المذكورة في العهد القديم، وأن ما ذُكر في كتب النسب مردّه إلى خلق توازن بين قحطان وعدنان، وبالتالي خلق قصة أمّة من صلب رجلين، فأخذ بها الرواة من دون مراجعة أو تدقيق.
يظل القول الفصل عند المؤرخين العرب في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها أنّ النبي قال “استقام نسب الناس إلى معد بن عدنان”.
بحسب السردية العامة، فإن عرب عدنان قوم سكنوا الحجاز وتهامة ونجد أعلاها وأسفلها، وأنهم قوم سكنوا البادية والقرى.
حافظ العدنانيون على جغرافيتهم بالرغم من الصراع الدولي الدائر على مساحة الشرق الأوسط قبل الإسلام. نالوا السيادة والاستقلال بعيداً من ضغط المناذرة والغساسنة. آثروا شظف العيش والاستقلال في بيوت الشعر في البادية، ما يؤشّر إلى بذور الفكر القومي العربي التوسعي الناشئ في بني عدنان.
دان العدنانيون بالوثنية. ويبدو أيضاً أن التديّن الوثني كان قوياً عند عموم آل عدنان، إذ لم يتهوّد أو يتنصّر من قبائل عدنان الكثير، لا بل قابلوا التمدّد الديني لقبائل قحطان بتعصّب وتمرّد.
إلّا أنّ هذا التعصب الديني لانَ في مراحل لاحقة بعد ظهور الدعوة الإسلامية، وتدحرجت القبائل نحو الالتحاق بالإسلام. وجدت الدعوة الإسلامية فيهم الجيش والمناصرين والقادة.
كان للدعوة الإسلامية أثرٌ معاكسٌ عند بعض القبائل العدنانية. فقبيلة بني تغلب قد تنصّرت وظلّت تدفع الجزية المغلظة أكثر من تسعين عاماً.
سجل المدوّنون أنّ لعدنان ابناً اسمه معد. ومعد لقب يدلّ على شظف العيش. ويرى بعض المؤرخين أن العرب أطلقوا لقب معد على كل من سكن البادية، مستدلّين على ذلك بأن العدنانيّين تحالف كبير لمجموعة من العرب الذين يشتركون في المكان وطريقة العيش. وأنّ معد هو رابطة معيشة لا رابطة نسب.
المثبَت عن المؤرّخين بإجماع هو أن العدنانية من نسل معد بن عدنان، وبالتالي إليه تُنسب القبيلة العدنانية. وقد ذُكر عنه أنّه لُقّب بأبي نزار وأبي قضاعة، ليستمر الغموض بشأن طريقة التدوين والتصنيف. فقضاعة جِذم عربي كبير، وقد وضعها بعض المؤرخين في مرتبة قحطان وعدنان، إلّا أنّ هذا الزعم غير دقيق بحسب مراجع متعدّدة.
وبالاستناد إلى ما ذُكر في المراجع، فإن معداً أنجب سبعة عشر ابناً، منهم أود بن معد، الذي دخل في قبيلة مذحج القحطانية، ما يفسّر ورود اسم قضاعة في لقب معد، إلّا أنّ السلالة العدنانية بحسب السردية العامة تستمر من خلال الابن نزار.
وهو نزار بن معد بن عدنان، وفيه البيت والعدد.
أنجب نزار أربعة أولاد. إياد وبه يكنّى. وانمار وربيعة ومضر. وتحكي السردية بكثير من الخيال عن قصة نصيحة الأفعى بن الأفعى ملك نجران لأبناء عدنان حين أدركت الوفاة نزاراً، فقد قسّم نزار على أبنائه الأربعة تركته بينهم، فنادى على إياد وأهدى إليه جاريته بجيلة فعُرف ببجيلة إياد. وأعطى ابنه انمار الغنم، فسمّي أنمار الشاة، أما ربيعة، فكان نصيبه الخيل فلقّب بربيعة الفرس. آخرهم كان مضر، الذي حصل على الذهب فلقّب بمضر الحمراء.
ما دُوّن من قصة وحوار فيه الكثير من الخيال، لدرجة أن ألقاب الإخوة يختلف بشأنها الرواة، وبشأن أسباب الحصول على اللقب أيضاً.
إلّا أنّ بيت عدنان ينحصر مرة أخرى في ثنائية جديدة بحسب السردية، وهي أنّ عرب عدنان ينقسمون إلى قسمين عظيمين: مضر (*)، وربيعة (**)، وكلاهما يُنسب إلى نزار بن معد بن عدنان.
خرجت من هذين القسمين شعاب وبطون متعدّدة، لتتكرّر ثنائية التقسيم:
(*) مضر انقسم إلى بني قيس عيلان الفرع الأول، وهم المعروفون بالقيسية بكل أفرعها غطفان وهوازن وعبس وأشجع ومحارب وهلال وسليم وثقيف وغيرهم (في العصر الحديث قبائل مطير وسبيع وعتيبة وغيرهم)، والياس الفرع المضري الثاني بكل أفرعه كقريش قبيلة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتميم وبني أسد وغيرهم.
(**) ربيعة الفرس، فمنه خرج قوم كبير من العرب يحتل صفحات متعدّدة في التاريخ والميراث العربيين، منه جديلة وأسد وضبيعة، الذين أنجبوا بني وائل وعنز وعبد قيس وما تلاهم من أفرع كبني حنيفة وتغلب وبكر وغيرهم (في العصر الحديث قبيلة عنزة وغيرها).
الشعر والحرب في السيرة
ثمة تتمّة مهمّة في السيرة لا يمكن القفز من فوقها في ما خص العدنانية كسيرة ونسب. فقد زخرت المكتبة العربية بمراجع تحكي قصص بطولات عدنانية كبيرة، تطغى عليها المبالغة، قادة ومحاربين يعرفون ركوب الخيل والمبارزة بالسيف وتقريح الشعر وتذكّر الحبيب في الوقت عينه وفي خضم معركة حامية الوطيس. ولعلّ عنترة بن شدّاد أكبر تجسيد لهذه الصورة الذكورية التي تحمل الكثير من هذه المعاني في معلّقته الشهيرة.
على صعيد الحميّة والعصبية، نال عمرو بن كلثوم المركز الأول في المبالغة أو الهياط، وذلك في معلّقته التي هي أبياته الشعرية الوحيدة المعروفة له. فقد أنشد بسلاسة وبيان لا يتقنهما إلّا محارب وأمير وغيور على قومه، فهو من قال “ألا لا يجهلنّ أحدٌ علينا فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا”.
ثمّ هناك الحروب التي خاضها بنو عدنان، وهي أقرب إلى حروب أهلية بين بني عدنان أنفسهم التي دارت قبل الدعوة المحمدية.
حرب داحس والغبراء، جرت بين قبيلتي عبس وذبيان، وكلاهما ابنا بغيض بن ريث بن غطفان بن قيس عيلان. ثم حرب البسوس، فقد دارت بين فرعي بني وائل. وهي حرب استمرت أربعين عاماً بين تغلب بن وائل وأحلافها ضد بني شيبان وحليفه من بني بكر بن وائل. ومن أبرز نتائجها نزوح قبيلة تغلب من نجد إلى العراق في الجزيرة الفراتية، ليؤدي بنو تغلب دوراً أكبر في التاريخ العربي. دورٌ يتجسد في المقولة “لولا الإسلام لأكلت تغلب العرب”.
فبنو تغلب شاركوا في لعبة الأمم التي حيكت يومذاك على أرض الشام بسيطرتهم على طريق الحرير التجاري.
ومن رحِم حرب البسوس بدأت حرب أخرى بين قبائل بني تميم وبني بكر بن وائل، التي نالت بعضاً من الدعم من قبائل العرب، وقد خيضت المعارك على أرض ربيعة الفرس وبتمويل خارجي وفّره الفرس، في إشارة واضحة الى البيئة السياسية المضطربة حينها، والتحولات في موازيين القوى.
حروب أخرى سجلها التاريخ كحرب فجار التي شاركت فيها قيس عيلان بكل أفرعها ضد قبيلة قريش وباقي كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر وغيرها.
ما يهمّ في سياق السيرة العدنانية أنّ معظم هذه المعارك خيضت في لحظة إقليمية تعيش فراغاً في القوة. لحظة امتدت أكثر من ستة قرون في التاريخ، في صراع أممي مرير بين الفرس الساسانيين والروم البيزنطيين.
نصل إلى أنّ تلك المعارك التي دارت بين القبائل، والتي سُجلت في متون المراجع شعراً ونثراً بمبالغة، لم تكن طريقة حياة للعرب فقط كما يجري تداوله، بل محاولات من التكتلات القبلية لخلق الاستقرار والانتظام العام في ظل الفراغ الاستراتيجي الذي عانت منه المنطقة. صراع المحاور الذي أغرق معظم القبائل في الحروب كبيادق لا قادة.
ومن السياق ذاته يمكن تتبّع توقيت بروز اسم عدنان الرمز الجامع المانع. فقد ظهر في مرحلة لاحقة بعد الدعوة المحمدية، وتحديداً عند نشوء أول دولة في التاريخ الإسلامي في الشام، الدولة الأموية التي اتخذت من سيرة عدنان الشرعية اللازمة للحكم، هي المرحلة التي دوّن فيها العرب الكثير من تاريخهم وشعرهم.
(*) العدنانية السياسية: صناعة الرمز
![]()
