قبل عام، وفي مدينة لندن تحديداً، وقع نظري على مقالة في صحيفة إنكليزية محلية أثارت انتباهي. وكالعادة، هممت بحفظها ومراجعة المعلومات التي أوردها كاتبها. فيها يشرح كيف أن الصحافة الورقية لن تموت، وأن نسبة مبيعاتها في أوروبا تتزايد، وذكر أيضا أن صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية تصاعدت مبيعاتها مقارنة بالسنة التي قبلها بنسبة 30%، وأن الالتزام بالورق من قبل القارئ لا يقاس بالأرقام بل بالأخبار. وأن التكنولوجيا طريقة جديدة لنقل الخبر وليس لصناعته. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تلغ شركات الاتصالات أو أجهزة الهاتف، بل فتحت أسواقا جديدة ووفرت زبائن جدد، وهكذا يخرج القارئ بخلاصة أن هناك مؤامرة وبروباغندا عالمية ضد الصحافة الورقية.
لا شك بأن قصص نجاح صحف ورقية عربية ما زال لها موقعها. صحف استطاعت دمج النشر الورقي والرقمي. ففي المملكة العربية السعودية تحديدا، نجد صحفا محلية تحقق ثباتا في مبيعاتها وقد يقول البعض أن نموذج السعودية ناجح لأسباب غير صحافية، وهذا قد يكون دقيقا. لكننا نستطيع تتبع نماذج ثبات في دول عربية أخرى كلبنان ومصر والمغرب العربي. والثبات هنا بمعنى الاستمرارية في الطباعة، بالرغم من – وليس بغض النظر – عن التحديات.
المهم، راجعت المقالة المحفوظة بعد مرور سنة ومعها الكثير من الأحداث المتعلقة بالصحافة العربية. قصص نجاح واستمرار، وقصص إغلاق جرائد وتسريح صحافيين، لأجد نفسي ما زلت مدفوعا بالسؤال: هل مشكلة الصحافة الورقية اليوم في العالم العربي هي في المهنة نفسها؟ أم في القراء؟
وللحقيقة، لم أستطع الاقتراب من الصعوبات المهنية أمام الصحافة في عالمنا العربي. ولم أقدر إلا على سبر التحديات الاقتصادية من إعلانات وغيرها. ذلك، أن كل ناشر يحتفظ بأسرار المهنة لنفسه، وكل ما يتصل بالدورة المالية وشؤون الموظفين، وتحديدا علاقة الصحيفة بالدولة، إلا في ما ندر. طبعاً، بعضهم لا يجيد الكتمان وغالبا ما “يكبون العشاء” (مثل دارج في الخليج للشخص الذي يفضح الأسرار). ولم أجد مبررا لهذا الغموض الا ما يتصل في نشأة هذه المهنة في منطقتنا. نشأة يمكن تتبعها من ولادة الصحافة العربية. فقد عرف العرب الصحافة مع الاستعمار. أو هكذا سجل التاريخ ظهور الطباعة الورقية للأخبار في العالم العربي. ويسجل تحديدا لنابليون بونابرت الحاكم العسكري لفرنسا نشأة أول صحيفة عربية وعلى يد الجنرال مينو جاك. كان ذلك عام 1799 عام ولادة صحيفة التنبيه في مصر. وقد أشار اليها أديب مروة في كتابه “الصحافة العربية نشأتها وتطورها”. من بعدها، توالت الصحف العربية في الولادة. في الشام جريدة سوريا. وفي العراق جريدة الزوراء. ولحقت بهم جريدة صنعاء من اليمن السعيد.
ولا تقف المفارقات عند هذا الحد في مهنة المتاعب كما يسمونها. بل تتعداها الى الكتّاب أنفسهم. وكيف أخذ بعضهم يلعب على التناقضات. وإلا هل يعقل لكاتب وإعلامي مصنف في محور سياسي ما أن تمنع كتبه من النشر والتوزيع في بلد ينتمي لنفس المحور. وصحيفة لبنانية تمنع من التوزيع ومعها رئيس التحرير من دخول دولة تسير في خطها سياسيا. ولن أنسى ومن باب نقد الذات أن أحد المسؤولين الخليجيين في ما مضى منع كتابه من النشر وهو على رأس وزارته!
أما في ما يخص القارئ العربي وجدت نفسي هذه المرة محتارا أكثر. حيث ينظر معظم القراء في عالمنا العربي الى الوسائل الإعلامية بعدسات استقطابية. متناسين الجانب الشخصي والنفعي المرادف للمهنة. هم يصنفون الصحيفة في محاور السياسة، ويغضون النظر عن دور الرقيب. بمعنى أخر، أن كل منبر إعلامي (جريدة، محطة، موقع الكتروني) خاضع للتقسيم السائد اليوم. بعد أن درج التقسيم عالميا بين يمين ويسار (لا يمكن إغفال نظرية انتهاء قصة اليمين واليسار في الحياة العامة ككل) أصبح الانقسام يحمل عناوين الأحزاب والسياسيين أنفسهم.
مثلا في لبنان، الصحف إما ١٤ آذار أو ٨ آذار. والمحطات التلفزيونية كذلك. بالرغم من أن محاور الانقسام قد أسقطها زعماء الأحزاب أنفسهم. وخير دليل على ذلك الانتخابات النيابية الماضية. والغربلة السياسية التي تلتها. ولا تقف النظرة الاستقطابية عند جنس الوسيلة الإعلامية.بل يتعداها لكاتب المقال ورئيس التحرير ومعد البرنامج ومقدمه. وفي كثير من الأحيان تطغى هذه الصورة النمطية على الخبر نفسه. فيدفن الخبر بين السطور.
ليأخذنا الموضوع الى مشكلة الرأي العام العربي. لا يمين ولا يسار. فقط قبائل صحافية وغزوات فكرية. تنشر مقالة ويتناولها فريق. يركض فيها الى آخر ملعب المهنة ولا يسجل سبقا. بل هتاف الجمهور على المدرجات. لأن الهتاف يصنع الشهرة والشهرة تحقق مبيعات. والرقيب الذي هو الحكم متواطئ مع كلا الفريقين. لتعاد الكرة مرة أخرى.
وأزمة الرأي العام ليست حكرا على العرب فقط. هي مشكلة يعاني منها قراء أوروبا أيضا ولكن بالعكس. فجمهور القارة العجوز صاحب رأي عام شبابي متفاعل. صحيح هناك في بريطانيا “الغارديان” على اليسار مقابل “الديلي تلغراف” المحافظة.غير أن المفارقة هي أن الجمهور البريطاني، وبحسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة يوغوف البحثية عام 2016، وجد أكثر اعتدالا من صحف بلاده. وأن الجمهور الإنكليزي لا يزال يحمل تعهد الملك شارل الثاني بعد استعادة العرش من الديكتاتور كرامويل عام1662م بحماية الرأي العام.
حسنا، أعرف تماما أن موضوع استمرار الصحافة الورقية ما زال في مرحلة التقييم والمراجعة. وأن الموضوع يحتاج الى وقت حتى نستطيع أخذه بالجملة تحليلا وتوصيفا. وأن النقاش حاليا يميل لصالح أن الخلل هو في المهنة نفسها. هناك من يرى أن الصحافة الورقية ماتت. ونسبة المبيعات والإعلانات في تدن. مع استمرار أصحاب الرأي المقابل في إثبات العكس.
بعد تردد، أجد نفسي مؤخرا أميل الى وجهة النظر الثانية. وهي أن الصحافة الورقية لن تموت. معترفا أنني أعيش حالة حب من طرف واحد.
