السيرة الهلالية: مغرب ومشرق، حسب ونسب

السيرة الهلاليةمغرب ومشرق، حسب ونسب

مليون بيت شعر. أسطورة نقشت في ذاكرة العرب مجسدة وحدة المسار والمصير.

مليون بيت شعر. جادت بها القريحة العربية بأسطورة التغريبة الهلالية. بأسطورة سكنت الوجدان العربي. من باديتها المشرقية في نجد والشام الى الصحراء المغربية وما بينهما من أقطار عربية.  تنشد أشعارها وتروى أخبارها على أنغام «الربابة». لتنتشر أسماء لقب بها أبناء الوطن العربي الكبير من بلاد الرافدين الى شواطئ الأطلسي، كأبو زيد وزيدان وذياب والزناتي ومرعي والجازية.

مليون بيت شعر. عن هؤلاء العرب الذين طردتهم المجاعة من ديارهم في نجد والحجاز. مرتحلين للنجعة الى بلاد الشام ثم مصر وليبيا في الطريق، الى تونس المقر وبعدها في الانتشار، في الجزائر والمغرب وموريتانيا. خرجوا من بيوت الشعر في مضاربهم لينثروا بيوت شعر علقت في الذاكرة الجماعية العربية.

هي السيرة الهلالية. سيرة لم تكن لترضى بأن تكون قصة هجرة فقط. فحولها أبناءها الى ملحمة شعرية من مليون بيت.

هي المائدة للأديب والمثقف والمستشرق ليغرفوا منها ما لذ وطاب. حكايات بطولة وحب. بين الإنسان والأرض. الهوية والعرض. وإن أضفى عليها الخيال الشعبي المبالغة في الأحداث والشخصيات.  لكنها تظل المعين الكبير في ذاكرة العرب وسيرهم الشعبية.

لأجل ذلك، استدعيت السيرة الهلالية.

فالحديث عن علاقة الجزيرة العربية بالمغرب العربي يستدعي كل الأدوات الأدبية. يستدعي النصوص المعنية في تتبع حركة الشعوب واتصالها. والسيرة الهلالية في هذا الشأن لا تعلو عليها نصوص كمرشد ودليل. هو النص الذي يقفز فوق حدود دول اليوم وينسج شبكة اتصال في الحسب والنسب بين أهل المغرب العربي والمشرق العربي.

وبعيدا عن بطولات الأمير ذياب بن ناصر وشجاعة أبو زيد الهلالي ودهاء زيدان بن حسن وجمال الجازية وغدر الصفيراء، هناك جانب حقيقي من هذه الأسطورة تجسده وحدة الأثر.

فطريق الخط السريع بين مدينتي الجوف وحائل في المملكة العربية السعودية اليوم يعرف بطريق أبو زيد الهلالي.  وهو الخط الرابط الى بادية الشام. سلكه الأجداد للتجارة والهجرة منذ القدم.  وقد دونت لنا هذا الدرب الرحالة المستشرقة الليدي ان بلنت عام ١٨٧٩م في كتابها “رحلة الى بلاد نجد” حين سلكت الدرب نفسه.

أكثر من ذلك. حيث أحب أن أتعلم دروب قومي العرب مما ورثناه من الأجداد.

ففي ذهني لا يذكر المغرب العربي الا ودور قبيلة بني هلال يقتحم المسرح.  مسترجعا القصص والحكايات التي كان يرويها جدي، وكتب عنها. أتذكر ما كان يقوله لي عن السيرة ودورها “من البديع عن رسوخ الأثر أن قبائل العرب في الجزيرة العربية خندفي وشبابي، فالعزوة اليوم لقبائل حرب وعتيبة ومن اليها في الجزيرة هي العزوة في شمال أفريقيا”. فالجزائري والمغربي شبابي حتى الأن.  وهذا من ميراث بني هلال.  وعزوة أخرى ورثتها الأرض المغربية من الهلاليين. هي عزوة علياء نجد، إقليم القصيم، هي العزوة في ليبيا أولاد علي.

وكما طبعت السيرة الهلالية أرضنا العربية بالتراث حسبا. ميراثها يجري عميقا في العروق نسبا.  فعمار مصر من ذراريهم، هلاليين سليمين هوازنيين. في الصعيد، الهوارات والحميدات وسليم. وفي الفيوم، أولاد علي والصحراء الغربية هم هلاليون نسلا وعزوة. والى برقة وطرابلس الغرب مرورا بتونس وصولا الى الرباط ينسبون أنفسهم الى قبائل عامر الهلالية.

لنصل الى أن السيرة الهلالية طبعت الأرض العربية “عرقا ولغة”.  هي “الحقيقة لا الأسطورة”. هكذا كان يقول جدي جازما “هم أهل التعريب للمغرب العربي”.

الأسطورة

في القرن الخامس هجري ـ العاشر ميلادي، سادت قبيلة بني هلال الهوازنية العامرية منطقة نجد وتهامة والحجاز. ومعها ما تناسل من قبائل عامر مثل هوازن وغطفان وسليم وعبس وذبيان وفزارة وأشجع ومحارب.  سيادة على بادية الجزيرة العربية في نوع من الأمارة التقليدية. مشيخة مدعومة بالعدد. تستند على تحالفات قبلية. شرعيتها سيف ورمح.

وبنو هلال كما ذكر في المراجع كجمهرة النسب لإبن حزم وسبائك الذهب للسويدي هم هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.  قبيلة عربية صريحة النسب حسب قواعد التدوين. عرفت بأنها صاهرت النبي محمد صلى الله عليه وسلم مرتين. فقد تزوج الرسول أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث وزينب بنت خزيمة.

وأضافت القبيلة على الفخر في المصاهرة الشدة والبأس في الحروب والقتال. كإرهاص لدور أكبر في المستقبل. وكأن كل الغزوات والصراعات عبارة عن تدريبات عسكرية تحاك على أرض الجزيرة. فبرز منهم فرسان وغزاة وخبراء في سياسة الكر والفر. أيضا وفرت الجولات والمناورات الحربية مخزونا هائلا من السلاح. فدانت لها القبائل العامرية بالزعامة.

غير أن الزعامة البدوية لم تكن بلا منافسين.

بنو هلال في نجد جاورتهم قبيلة بني تميم. القبيلة التي زاحمت الهلاليين السلطة في نجد. القبيلة التي ساقها الطموح يومذاك، ما جعلها تنافس قريش في مكة، لدرجة أنها كادت أن تنتزع البيت منهم.

وتميم القبيلة المضرية تلتقي مع بني هلال عند مضر في عمود النسب. غير أن بني تميم أمهم خندف. لأن قيس عيلان جد بني هلال ليس ابن خندف وإنما ابن شبابه. تصنيف قبلي في الشكل ولكنه اصطفاف حزبي شبيه بالمحاور السياسية اليوم. اصطفاف قسم جزيرة العرب يومها لحزبين عريضين، شبابي وخندفي.

وتذكر السردية العامة في التراث أنه في تلك الفترة داهم القحط والجفاف جزيرة العرب. وسكن ديارهم الجوع والماء الشحيح. لتعم النزاعات فيما بينهم. اصيب النظام السياسي بإرباك كبير. سنوات عجاف طويلة. أفقدت بني هلال مكاسبهم الاقتصادية والاجتماعية. ناهيك عن التفوق السياسي. فكانت الهجرة هي الخيار الأسلم. لتبدأ معها رحلة البحث عن بلاد جديدة فيها الكلأ والماء.

وتقص المخيلة الشعبية أن أبو زيد شيخ بني هلال اقترح على ابني عمه مرعي ويونس الخروج بحثاً عن ديار جديدة، بعد أن فتكت فيهم المجاعة. فساروا غربا حتى وصلوا إلى تونس التي كان يحكمها الأمير الزناتي آنذاك. ليجدوا أرضا خضراء أحبوها. أرض وجد فيها أميرهم المرعى الوفير والماء الغزير. فقرروا الرجوع الى القبيلة وإخبار الناس بالوطن الجديد.

تستمر الحكاية بسجن أبو زيد ومرافقيه في تونس. ثم هروبهم المثير بمساعدة الصفيراء، ابنة الزناتي الفائقة الجمال. وما يليها من أحداث ومغامرات وغرام وجولات ومؤامرات ولحظات انتصار ووقفات عز والكثير مما تسرده السيرة من خيال ومبالغات.

هنا تطغى الأسطورة على الحقيقة التاريخية. والواقع أن المبالغات كثيرة وفاقعة ـــ وهذا طبيعي لأي نص ملحمي ـــ وبين الأسطورة والحقيقة كما كان يصفها جدي، تكمن القصة.

لعل أكبر المبالغات هي سبب الهجرة الجماعية لبني هلال. لأن الجوع والعطش قد يبرر الإنسياح لجماعة أو عشيرة.  جماعة ليست بكثرة الجيش أو الموجة التي تصفها السيرة. والانتقال لأجل الماء والكلأ لم يكن غريبا عن النمط المعيشي لابن البادية أصلا.

عليه لا بد وأن تكون هناك أسباب أخرى وراء الهجرة الجماعية والاستقرار، لأن هجرة بني هلال وبكامل حلفائها من القبائل لم يكن ليحصل لولا مجموعة عوامل سياسية وأمنية فرضت ذلك. ولدى قراءة تاريخ الجزيرة في تلك الفترة، سنجد أن الفوضى وغياب الأمن والاستقرار كانوا السبب في التغريبة.

الحقيقة

لقد أسرف الأمويون في قوميتهم العربية.  ومن خلال هذا الإسراف، أن جعلوا للعربي كل الشأن. في الحكم والإدارة والتجارة. تسعون عاما هي طيلة فترة حكمهم لم يكن لغير العربي سلطان. فقامت الشعوبية ضد العرب، حادة في المعارضة وشرسة في وجه بني أمية.

وحين سقطت الدولة الأموية عام ١٣٢ه ظهر العباسيون والشعوبية عونا لهم. فاُقصي العرب عن شؤون الإدارة والحكم. وأقصيت القبائل تحديدا عن مكاسب السلطة وتمت ملاحقتها ومحاربتها. ومن ثم دفعها خارج حدود الدولة. فكان أن عادت القبائل الى ديارها الأصلية تبغي الحماية في الصحراء. لتمارس حياتها بالطريقة التي تعرفها وتتقنها. تعبث بأمن الطرق وتناصر كل تمرد ضد العباسيين. فناصروا القرامطة ودولة بني الأخيضر.

استمر الحال كذلك سنين طويلة. غاب فيها الأمن والاستقرار عن الجزيرة العربية. ازدهرت فيها القبائل بعاداتها وغرقت في صراعاتها. ويمكن تتبع الفوضى التي عمت الجزيرة في كتاب ابن حزم الجمهرة. وأفاض بذلك ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، حتى أن حملة العباسيين حين وطئت نجدا هلكوا الأرض والعرض. فاذا بهم يهتكوا قبيلتي أشجع ومحارب. وكادت أن تمحي بني عامر بن صعصعة.

زاد القحط والجفاف من وقع مصيبتهم. مصيبة على المصيبة. ومن رحم هذه الظروف السياسية والاقتصادية الضاغطة، خلق تكتل يبحث عن المخرج. يبحث عن البديل والهجرة.

منهم من إنحاز الى شرق الجزيرة على الخليج للسكن.  ومنهم من ذاب في شمال المدينة المنورة الشرقي على الحرة بين خيبر والمدينة. يقال لهم بني هتيم. وهم أغلب الظن من عبس وذبيان وأشجع ومحارب. هم بنو رشيد الأن بإجماع المتخصصين.  وقد ملأوا السودان بكثرة فوجدوا الأمان في الريف كغيرهم من جهينة والجعليين.

ومنهم من توجه غربا كبني هلال. وتكفي مراجعة الخريطة القبلية للجزيرة العربية يومها، لكي نجد أن العراق أصبح حكرا لتميم. وبر الشام مسكنا لبني أسد وطئ.

فلقد وجدت تميم في العراق الترياق لسموم التصحر. والعمق الاستراتيجي والمدى الاقتصادي. فتوجهت اليها بكل عددها وعديدها حتى صح المثل “نجد ولود والعراق داية”. وأصبحت تنشر العربية في مربدي الكوفة والبصرة. لتكون المعلمة الأولى في مدرسة التعريب والتقنين في بلاد الرافدين.  فلها المنة على حفظ العربية في العراق. هنا لا يمكن إنكار دور رجال من قبائل أخرى.  تميم السباقة ويليها مسير من رجال شمر وعنزة والمنتفق.

والمفارقة الجديرة بالذكر أن قريش تأخرت في حركة التعريب. مع أنه يحفظ لها لغة القرأن الكريم كما يؤكد العلماء. فقريش تأخرت من قريش نفسها ومن الداخل. إنهمكت بكثرة الحروب والصراعات الداخلية، وانشغلت في لعبة الأمم، فدفعت الثمن تأخراً وتخلفاً.

ولعل المستنصر الله حاكم مصر إبان العهد الفاطمي ناشد بني هلال الحضور ومساعدته في حروبه. بعد أن تلقى هزائم عديدة في شمال أفريقيا، وذلك مقابل النصر الذي كان يحوزه الصنهاجيين. فأرتحل جيش كبير من هلال في مسيرة الى مصر.  وجدوا فيها المرعى والخلاص من الجوع والملجأ من المعاقبة الجماعية العباسية. حتى استتب لهم المسكن.  ثم أنطلق الركب الهلالي وتحول من مسيرة الى موجة.  خرج هؤلاء الهلاليين والسليميين ومن إليهم من زغابة كموجة التسونامي. يريدون الانتقام من الصنهاجيين. يحاربون ملكهم ابن باديس المعز. فتوغولوا في الشمال الأفريقي معربين ومقاتلين في الوقت نفسه.

قد يكون السبب لهجرة بني هلال كموجة هو سياسي. سواء عونا للفاطميين في مصر أو حربا على الصنهاجيين في أفريقيا. أو النجاة من العباسيين فقط. الا أن الأكيد أن السيرة الهلالية كأسطورة تحكي عن حقيقة سجلت مبالغة بمليون بيت شعر. لها ما لها وعليها ما عليها. والمغرب العربي يظل منقسم في نظرته اليها.

التغريبة بعيون مغاربية

يسجل لبني هلال أنهم من الرواد في حركة التعريب.  ويؤكد هذا المنحى الكثير من المؤرخين. غير أن صورة التغريبة الهلالية منقسمة عند أهل المغرب العربي. منهم من رآهم قبائل بدوية رجعية قتلت وأفسدت. ومنهم من يعطيهم المجد كله ويرفعهم إلى منزلة الأسطورة.

في تونس، ينظر البعض الى السيرة الهلالية نظرة سلبية. يضعونها في الحضيض متأثرين بابن خلدون. الأخير كان حربا على الأعراب بصفة عامة. لم تأت هذه النظرة من فراغ. فالموجة الهلالية اجتاحت المغرب العربي. وعلى طريقة الغزو. عاثوا خرابا في المدن. وقد أقترن خراب مدينة القيروان تحديدا بهم. واستقطعوا أراض في الريف من أصحابها مكافأة لجنودهم. وأصبحوا الجيش الهلالي قوة ومهابة. لدرجة آن حاكم تونس المعز الصنهاجي صاهرهم طلبا للسلام. زوج أبناءه بناتهم. ليصبحوا الحماية له.

والفريق الأخر، في الجزائر والمغرب يضعون السيرة الهلالية وميراثها في عنان السماء. يتغاضون عن الخراب في الحجر. يستندون على العمران في البشر، اللغة والقوة والمنعة. العصبية إن شئتم.  ومن أشهر المبادرين لإعلاء السيرة أحد زعماء المغرب العربي.  المجاهد الكبير عبد الحميد ابن باديس. حفيد الملوك الصنهاجيين. حين قال “لئن قيل إنهم خربوا فلنقل أنهم عربوا”.

ولعلي لا أنسى كلمة جدي عن ابن باديس في وصفه له قائلا “إيمانه باللغة العربية جعله ينسى خراب الدور فلا يتذكر إلا عمران الصدور”. ليستطرد بوضع ابن باديس مع شاعر مصر شوقي في طبقة واحدة مستعيدا شعره:

هي من بناء الظلم إلا أنه         يبيض وجه الظلم منه ويشرق

هي الأهرامات. ليخلص قائلا “العروبة في أفريقيا من مفاخرنا، والأهرامات في مصر من مفاخرنا”.

المهم، أنه بين المع والضد، لا شيء يعطينا البرهان إلا وحدة الأثر. وحدة الأمة في المسار والمصير التي جسدتها السيرة الهلالية.

ومن جميل أثرها هو هذا التباين في النظرة تجاهها.  فتأثيرها على كل المغرب العربي حاضر. الأسطورة التي كانت وما تزال مجال اختلاف.  ومكان تلاق للعاطفة أو النوستالجيا لشعب يتغنى بهويته العربية. ويعيش في قضايا العرب.  عند الفلاحين والمثقفين والأطفال والشيب والشباب، كلهم يقولون نحن عرب هلاليين سلميين جئنا من أرضنا الأم: الجزيرة العربية.

السيرة الهلالية حية فينا

لا يستقيم الحديث عن علاقة الجزيرة العربية بالمغرب العربي بدون وضع السيرة الهلالية في سياقها التاريخي.  حيث لم تكن مسيرة بني هلال الحراك الوحيد من الجزيرة العربية الى المغرب العربي، بل سبقها غيرها من العرب.

حركة الفتح الإسلامي هي الموجة الأولى. تحركت باكرا باتجاهات عديدة. وعرف منها قادة كثر.  على رأسهم قتيبة بن مسلم الباهلي فاتح المشرق. وفي المغرب فاتح أفريقية كما لقب الجنرال عقبة بن نافع الفهري. الصحابي وابن أخت داهية العرب عمرو بن العاص قاد جيش المسلمين حتى وصل برقة ليبيا وطنجة المغرب ليستقر في واد أعجب بموقعه فأسماه القيروان.

أما الموجة الثانية، فكان صاحبها هاشمي قرشي يهرب من بطش هاشمي قرشي أخر.  جمعهم النسب ليفرقهم السبب.  السلطة في مكة ومالها من خلافة للمسلمين أبو الأسباب. فلقد نجا ادريس بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب من المذبحة التي كان يشنها الجيش العباسي. يومها كان أبناء عبد الله كلهم طعاما للسيف. محمد ذو النفس الزكية وإخوته إبراهيم وموسى وإدريس. توفي كثيرا غيرهم من أل البيت.  واستطاع إدريس الأول الفرار. مرتحلا الى وليلي بالمغرب. وتمت مبايعته إماما من قبائل الأمازيغ في منطقته.  لينشأ دولة الأدارسة منطلقا من مدينة فاس. حيث ضريحه بالقرب منها بزرهون. في مزار مولاي إدريس.

بذلك، تكون التغريبة الهلالية هي الموجة الثالثة. حملت معها النسب من جزيرة العرب.  وسارت تصنع الحسب في ذاكرة الأمة. وانطلقت في شمال أفريقيا تزرع اللغة العربية. ونحصد نحن كل سبب لعروبة شمال أفريقيا.

ويمكن تتبع ذلك من انتشار اللهجة الهلالية على لسان عرب شمال أفريقيا.  حيث لعبت دورا كبيرا في نمو العامية المصرية. وقد عرف عن الشاعر الشعبي المصري عبد الرحمن الأبنودي تعلقه بالسيرة، أو المضروب بالسيرة كما يطلق على المهتمين بها. وتسمى في المغرب العربي باللهجة العروبية، ولها قاموس عربي ضخم مازال حاضرا في المشرق العربي.

يبقى أنه، بين ما سمعناه وقرأناه، وبين الأساطير من ذات الهمة وعنترة والظاهر بيبرس وسيف بن ذي يزن تصر السيرة الهلالية على أن تكون البوصلة في الحديث عن المغرب العربي. كما كليلة ودمنة لبلاد فارس والسند. هي ميزة نادرة لنصوص قليلة صنعت التاريخ. ميزة نص لغته تاريخية وأثره غير تاريخي. لتسجل كعلامة فارقة في حركة التعريب.

* سينشر النص في كتاب “الرسائل المغربية”، ومشاركة مجموعة من الكتاب من العالم العربي.

**طارق زيدان(كاتب سعودي يعمل في مجال الهندسة والطاقة.  مقيم في مدينة الخبر.  يكتب في صحيفة الحياة وفي عدة صحف ومواقع عربية أخرى. له مشاركات في ندوات ومؤتمرات عدة).

Loading

اترك رد

اكتشاف المزيد من طارق فريد زيدان

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading