ألكسندر هاملتون على مسرح لندني: أنا ابن العاهرة أصبحتُ رجل دولة

لا تحلو زيارة مدينة لندن بدون مشاهدة إحدى مسرحياتها الغنائية. ولشخص ترعرع والفن المسرحي لم يكن على الطبق اليومي للحياة أجد نفسي ساعيا الى المسارح في السفر. سافرت هذه المرة من مدينة بيروت التي هي كلها على بعضها مسرح، الى مدينة لندن والتي مما لا شك فيه بأن لديها الكثير لتقدمه. بالإضافة الى طقسها الجميل وحريتها الأجمل فالمدينة منبع لطاقة تقدمية تشع من منابرها العديدة. من وسط حديقة الهايد بارك والى صفحات جرائدها الصفراء وصولا الى مجلس العموم البريطاني (مجلس النواب).   

غير أن منطقة الويست إند بخشبات مسارحها الشهيرة تفوّقت. وحي المسارح كما يطلق عليها يجسد تلك الطاقة بشكل موسيقي واستعراضي عالي المهنية، بعكس الصحف والبرامج التلفازية مؤخرا. تماما كما توقع الناقد المسرحي الإنجليزي الشهير بندكت نايتنجيل قبل أكثر من ثماني عشرة سنة في كتابه بعنوان “تصورات المستقبل”. لدرجة أنها تكاد أن تضاهي أعرق مجلس تمثيلي للشعب كما يوصف، لناحية الجرأة والتعبير. مضيفة الى معالم العاصمة الانكليزية إيقاعا مميزا لنبض الشارع اللندني.

ومن بين العروض المسرحية العديدة قصدت الى المسرحية الغنائية هاملتون. فما أن يدلف بك سائق التاكسي الى شارع فيكتوريا ستجد صفا طويلا من الناس يحملون بطاقات الدخول. يقفون بانتظام وصبر تحت زخات المطر لدخول مسرح فيكتوريا بالاس العتيق. الذي خرج بحلته الجديدة العام الماضي بعد أن ناهز عمر المبنى المائة عام. 

يستقبلك موظّفو المسرح عند المدخل بابتسامة عريضة مرحبين بضيوف اختاروا الفن المسرحي للمشاهدة. داخل المبنى يسير الجمهور بسلاسة تحت سقف غير مرتفع وبين غرف ترشدك الى المقاعد في صالة العرض. والصالة تسع أربعمائة شخص مضيفة الى الاستعراض حميمية للمشاهد. بعكس المسارح الكبيرة ذات الآلاف من المقاعد التي تضعف فيها العلاقة السحرية بين النص والمؤدي والمشاهد.

في داخل المسرح يجلس الكبير والصغير، الأسود والأبيض، الذكر والأنثى، سادين الصفوف متراصين بجانب بعضهم البعض. بعضهم حضر مع زوجته وأبنائه. وآخرون مع الأصدقاء. وقليل بمفردهم. يكسو وجوههم الحماس والترقب. وعند إشارة بدء عرض المسرحية يصمت الكل. وكأن على رؤوسهم الطير. ويصبح الظلام الداكن سيد المكان.

فما أن تطفأ الأنوار حتى يصدح صوت أحد الممثلين من خلف الظلام مغنيا” كيف لابن سفاح ويتيم وابن عاهرة أن ينجح؟”. ليسلط الضوء عليه في منتصف المسرح ويظهر وراءه البطل مجيبا “هذا أنا ألكسندر هاملتون”.

قلت بيني ونفسي هكذا يوصف الأبطال عندكم؟ وإن كانت هي الحقيقة؟ يا لجرأة فنكم.

وهاملتون البطل له تاريخ عريق في الثقافة الغربية عامة والأميركية خاصة. هو أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية. قاد الثورة يدا بيد مع جورج واشنطن (أول رئيس أمريكي) ضد الاحتلال الانكليزي عام ١٧٧٥م. يومها كانت الإمبراطورية الانكليزية تحكم العالم الجديد. حينها أراد سكان نيويورك وفيرجينيا الاستقلال وحق تقرير المصير عارضين على المحتل الرجوع الى بلده. وتزعم هاملتون ميليشيا نيويورك بعد توقفه عن الدراسة الجامعية (جامعة كولومبيا) بسبب اندلاع حرب الاستقلال.

وبعد التحرير قاد هاملتون مسيرة بناء الدولة. كقومي أميركي وممثلا عن حزب الاتحاد شارك في تفسير الدستور الأمريكي. كاتبا أكثر من خمسين نصا يعتبر المرجع الرئيس في دستور العم سام. وينسب له تأسيس النظام المالي للبلاد وخفر السواحل الأميركي وصحيفة نيويورك بوست. ويعتبر المنظر الرئيسي للسياسات المالية كأول وزير للخزانة. ومؤسسا للبنك الوطني والتعرفات الجمركية. وصورته على عملة العشرة دولار اليوم. 

مسيرة حافلة تجسدها المسرحية بنص خلاق. ذلك أنها تمزج بين غناء الراب والغناء التقليدي. فالمسرحية تقارب المسرح الحي لما تبديه من تمرد على مبادئ البرجوازية المزدوجة. ولا تخلو مسيرة هاملتون من مطبات سياسية ظهرت ببراعة فنية على خشبات المسرح. فلقد واجه تحديات من سياسي فيرجينيا. وتحديدا من زعماء الحزب الجمهوري توماس جيفرسون وجيمس ماديسون. فهاملتون أراد بناء حكومة مركزية بذراع تنفيذي قوي وجيش موحد. بينما فضل منافسيه ولايات قوية تحميها ميليشياتها الخاصة. وتحكي السردية العامة عن اتفاق تم بين الثلاثة حول طاولة في حانة نيويوركية. غير أن المسرحية مرة ثانية أظهرت بمهارة بالغة نقدا للتاريخ ومسألة كتابته. مذكرة ولأكثر من عشر دقائق أن اللقاء المزعوم لا شاهد له. 

تستمر المسرحية في وصف موقف العواصم الأوروبية من الدولة الجديدة. وكيف أنها كانت تتوقع انهيار النظام فيه. النظام الذي يدعو لتداول السلطة بالانتخاب حيث فكرة الديموقراطية لم تستقر بعد في أوروبا. وأن خلافات القادة بينهم ستجعل الشعب يطالب برجوع القوات الملكية الانكليزية. وهو ما أبرزته المسرحية بذكاء فني متفاعل. فيظهر ملك إنجلترا على المسرح عند كل مفصل من القصة شارحا موقف الملكية البريطانية بطريقة استعراضية لا تخلو من السخرية الفاضحة.

كل تلك الإنجازات الهاملتونية لم تقف عائقا أمام الإبداع الفني. فالمسرحية أجادت. مضيفة تفوق على التفوق بإظهار هاملتون الإنسان. الإنسان الذي سقط بالخيانة الزوجية. وابتزاز منافسيه في السياسة بغرض فضحه. فما كان منه الا أن نشر قصة خيانته لزوجته في الصحيفة فيما عرف بـ”ملف هاميلتون”. ليجد ابنه البكر نفسه مضطرا للدفاع عن عرض العائلة فيقتل في مبارزة نارية. 

عند خسارة ابنه وجد نفسه هاملتون في حالة نفسية كارهةٍ للسياسة. وحين سئل عن موقفه بدعم أي مرشح للرئاسة من الحزب الاتحادي بين توماس جيفرسون وأرون بور. فكان جوابه بيضة القبان لفوز جيفرسون. مما أوغر صدر بور. ليصل الخلاف بين الإثنين الى المبارزة النارية. بين نائب الرئيس بور وأحد مؤسسي الجمهورية هاملتون. فيصاب هاملتون بطلقة. ويموت في اليوم التالي عن عمر التاسعة والأربعين.

والطلقة التي جسدتها المسرحية بفن استعراضي شامل، غمرت القاعة صوتا وإضاءة وأداء على مدى خمسة عشر دقيقة. مشهد تمثيلي درامي يعرض كيف تستقر الرصاصة في صدر البطل على المسرح ومعها في قلوب الحاضرين على مقاعدهم. في لقطة فنية يشعر بها الجميع اختزلت سيرة هاملتون. ليقفز بعدها الحضور من مقاعدهم ويعلو صوت التصفيق الحار المستمر. معلنة نهاية المسرحية.

تضاء أنوار القاعة ويبدأ الحضور بالانسحاب بكل هدوء حاملين معهم علامات الانبهار والسعادة. يسيرون باتجاه المخرج وهم يهمسون تعليقاتهم لبعضهم البعض. وانا معهم. 

Loading

اترك رد

اكتشاف المزيد من طارق فريد زيدان

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading