في ظل التاريخ
الفصل الأول: آل يعرب بن قحطان من الكارثة إلى الانتشار (الجزء ١)
(*) طارق زيدان
قبل الدعوة الإسلامية، وتحديداً في القرن الثالث الميلادي، كان النظام السياسيّ العالميّ ثنائيّ القطب. خريطة العالم المعروفة بسكانها وتضاريسها ومواردها تعيش تحت ظلّ قطبين بارزين: الإمبراطورية البيزنطية، والإمبراطورية الساسانية (فارس).
تنافس الفريقان على الشرق. في صراع عالمي هائل استمر أكثر من ستمائة عام متواصلة. تداخل فيها الدين بالسياسة والاقتصاد بالأمن. حيث تصدر التنافس الديني الخطاب السياسي السائد بين المتخاصمين. وجيشت الشعوب خلف دشم الأفكار للاستقطاب. واستنفذت الموارد الطبيعية لصالح الصراع. من أثار هذا التنافس المستمر بروز جدل فلسفي عميق حول شخصية المسيح ابن مريم. تأثر حكام روما بالفلسفة الإغريقية حول فكرة الإله الواحد راكم الضغط علي العرب النصارى فتحول الجدل حول شخصية المسيح. وقد تنبه قسطنطين العظيم وأمه هيلانة الى أهمية دور العرب البدو في صراعهم مع الفرس. فاعتنقت أوروبا دين المسيحية في سياق المواجهة والمنافسة.
أما الفرس لاحظوا اعتناق روما دين العرب في سياق تطوير المنافسة السياسية والعسكرية معهم. فعمد حكام فارس الى دعم وتطوير المذاهب المنشقة عن المذهب الرئيسي الذي اعتنقته روما. لذلك سمحت بالكنائس النسطورية في مواجهة المذهب الرسمي اليعقوبي. ونسطورس راهب يوناني الذي طور فلسفة عميقة حول شخصية المسيح بأن له طبيعتين إلهية وبشرية. بمقابل يعقوب البرادعي السوري الذي كان يقول بطبيعة واحدة للمسيح.
على الأثر انقسمت الشعوب والأقوام بين بيزنطيّ وساسانيّ. وبطبيعة الأحوال أرخى التنافس المرير بين القوتين بظلاله الثقيلة على كامل مساحة الشرق الأوسط، على الجزيرة العربية وتخومها، والهلال الخصيب وبرّ الشام والأناضول حتى سواحل البحر الأبيض المتوسط، وقد خضعت جميعها لنظام ثنائية القطب بكلّ ما تفرزه من ثقافة وسياسة وتجارة وصراعات بالوكالة، سُجلت في كتب التاريخ وتناولتها الأجيال كتراث، راسمةً صورة للديمغرافية العربية، يختلط فيها الخيال بالواقع.
إلّا أن هذه الصورة اكتسبت الزخم الكبير في حركة التاريخ حين قرّر أبو العرب يعرب بن قحطان الانتقال من بطن الجزيرة العربية في اليمن إلى الفضاء العالمي آنذاك، في مكة ويثرب والحيرة والشام، في انزياح بشري كبير أعاد رسم الخريطة والموروث الثقافي معه. هجرة جماعية تناولتها المراجع من باب الهروب من الكارثة، بالرغم من أثرها السياسي العميق المستمر حتى اليوم، معلنةً أول تاريخ مدوّن لدخول الجزيرة العربية صراع المحاور السياسية.
أنشأ آل يعرب بن قحطان خريطة سياسية واجتماعية جديدة، ممسكين بالسلطة والاقتصاد، في انتشار ديمغرافي مدروس لا يتقنه إلا صاحب رؤية سياسية، لا هارب من كارثة يبحث عن استقرار ومسكن. وهو ما سيكون جلياً عند سرد الأسطورة وتأثيرها في مستقبل المنطقة.
الكارثة
اختلف المستشرقون والمؤرّخون العرب في تسجيل السبق بأنّ يعرب بن قحطان هو أول من تكلّم اللغة العربية. وبقي الادّعاء موضع جدل لم يُحسم حتّى اليوم. فقد اهتمّ معظم المؤرّخين العرب بعلم النسب، بينما اهتم المستشرقون بعلم اللغة، إلّا أنّ الطرفين أجمعا على أنّ نقطة الانطلاق هي رحلة آل يعرب بن قحطان في الجزيرة العربية، فيما لم ينتظر التاريخ حسم الجدل بين الفريقين، لا بل صنع فريقين للأمة العربية.
قسم التاريخ العرب قِسمين: عاربة ومستعربة. وبحسب هذه القاعدة أصبح العرب أمّة من نسل رجلين: قحطان وعدنان. وتضيف السردية أنّ العرب قومٌ سادوا الجزيرة العربية بعد أقوام سبقتهم يُطلق عليها العرب البائدة (قوم عاد وثمود وأصحاب الأيكة والكنعانيون وغيرهم)، وعرب قحطان وعدنان هم أبناء سام بن نوح، وهم بذلك يلقَّبون بالعرب السائدة.
ثمّ قسم التاريخ العرب بين قحطان العاربة وعدنان المستعربة. والمنظومة التراثية ذاتها تقدّم إلى كلّ منتسب إليها موروثاً هائلاً من القصص والأحداث والمراجع والشعر، التي تُضفي شرعية كاملة على مريديها. ميراث عميق يسري في العقول كاشفاً عن آلية تدوين التاريخ.
بحسب المراجع العربية، فإنّ يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، هو أول من تكلّم العربية، وهو أول من أعرب لسانه، وأنّ نسله اليمانيّين هم أول من سكن الجزيرة العربية، ومنهم تعلّم العدنانيون اللغة العربية. وقد ورد اسم “يقطان” في التوراة، وتُرجمت إلى قحطان. هذا بوجود نقوش باسم قحطان في مملكة كندة، التي تشير إلى اسم قرية لا رجل.
هنا لا يمكن القفز فوق اختلاف المؤرخّين بشأن انتساب يعرب القحطاني. فمنهم من قال إن يعرب إسماعيليّ نسبةً إلى سيّدنا إسماعيل عليه السلام، مستندين بذلك إلى مصادر متعدّدة. وأغلب الظن أنّ يعرب بن قحطان من بلاد اليمن، وأن ما دُوّن في المراجع يجب أن يخضع للاستنباط والتحليل من زاوية الآثار الأركيولوجية، بجانب باب التاريخ الكبير.
إلا أنه في غياب الأدلة والآثار المدروسة الموثّقة يتوافر في منظومة الميراث الثقافي العربي كمّ هائل من القصص والشعر، التي تحكي أسبقية آل قحطان على آل عدنان في الانتماء القومي، لتصل إلى حد المبالغة بأنّ آدم أبا البشرية تكلّم العربية في الجنّة، وهو ما ينافي المنطق والسردية معاً. لتبرز معها أسطورة رحلة آل يعرب كنقطة تحوّل في مسار التاريخ العربي.
الأسطورة يمكن تتبّعها في متون المراجع والكتب، وهي أُسطورة كباقي نظيراتها من أدب التراث يطغى عليها الكثير من القصص الملحمية والمبالغات التراجيدية. حيث تبدأ بالكارثة، وتمر بالمحنة لتصل إلى الانتشار والتوسّع.
الانتشار
بحسب الأسطورة، فإنّ الكارثة هي لحظة التحوّل، صفّارة التغيير التي انطلقت مع كارثة انهيار سد مأرب المائيّ، الذي يقع في الجمهورية العربية اليمنية اليوم. ويرى الباحثون أنّ هذا السدّ من المعجزات البشرية، حيث يُعدّ أحد أقدم السدود في العالم وقد أظهرت الآثار والنقوش أنّ السبئيّين بنَوه في القرن الثامن قبل الميلاد، مستخدمين صخور الجبال التي نُحتت بدقّة هندسية عالية الجودة ليوضع بعضها فوق بعض.
وفّر هذا البناء الهندسي الماء للسكان، في زمن كان تدفّق الماء فيه أشبه بتدفّق وقود العالم اليوم (النفط). توافرَ الماء للزراعة وتربية المواشي، فازدهرت الحياة وعمرت المزارع وكثرت البساتين وعمّ السلام أكثر من خمسين ألف شخص هم تعداد سكان اليمن آنذاك، ما حقق للدولة السبئية الاكتفاء الذاتي. وقد ذُكر في القرآن الكريم في سورة سبأ قوله تعالى “لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور”.
وتناول الباحثون المستشرقون سيرة الدولة السبئية من خلال الملكة بلقيس، وقد دار الحديث عنها بجانب الملكة شيبا في الأدب الأوروبي، حيث تعكس السيرة الحياة الرغدة التي وفّرتها بلقيس لقومها، إلّا أن هذه الجنّة تحوّلت إلى جحيم بعد كارثة انهيار السد. كما ذُكر في القرآن الكريم أنّ سيل عرم أطاح السدّ مغيّراً شكلَي الجزيرة العربية الديمغرافي والسياسيّ إلى الأبد.
تحكي الرواية التقليدية أنه عقب انهيار السدّ غادر كبير آل يعرب عمرو بن عامر ابن ماء السماء مع قومه اليمن، وهو ابن حارثة الغطريف، ابن امرئ القيس شيخ الأزد من بني كهلان بن سبأ بن يعرب بن قحطان. وقد لُقّب أبوه عامر بماء السماء لأنه أعال العرب لمّا قحطت وجدبت. خرجوا من القحط والعطش يبحثون عن بلاد جديدة تؤويهم، فانطلق الركب شمالاً مخترقين الصحراء والجبال إلى أربعة أطراف العالم العربي.
وصلوا إلى أربع عواصم عربية: مكّة ويثرب والشام والعراق. في الرحلة انسلّ أولاد ابن ماء السماء الواحد تلو الآخر، كلهم يستقر بحسب الرواية في مسكن. ثعلبة نزل يثرب ومنه الأوس والخزرج. وحارثة نزل مكة ومنه خزاعة. أمّا الشام، فنزلها جفنة، ومنه الغساسنة. ولخم نزل الحيرة بلاد العراق ومنه المناذرة. وقد خرجت أربع دول من رحم الكارثة رسمت التاريخ العربي وسيرتها بالانتشار.
(**) في الجزء الثاني: أربع دول في العراق والشام ومكة والمدينة
![]()
