سيوف حكمت المدينة المنورة
طارق زيدان (*)
السيف يرمز إلى السلطة. وكثيراً ما كانت السلطة مرادفة للدم، الذي يتقطّر من سيف الحكم. والمدينة المنورة وأهلها لم يكونوا بعيدين من كل ذلك في الصراع على حكم مدينة رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
تقليدياً وفي عهود الطوائف والمماليك وحتى العثمانية، كان أمير المدينة من الأشراف الحسينيين. أحفاد الحسين بن علي بن أبي طالب، وابنة رسول الله فاطمة. أما مكة، فكانت في إمارة أبناء عمومتهم، من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب.
لكلّ منهم سلطانه. وكان الجو يصفو بينهم أو يسوء. ما من قوة رادعة لدى أحدهم، بل صيغة توافقية لممارسة الشؤون العامة والسياسة تحت الوصاية، وصايات متعددة استمرت فترة طويلة، ساد فيها الأشراف الحسينيون حكاما على المدينة لردح من الزمن. أيام العهدالفاطمي والأيوبيوالمماليك وغيرهم في مسار التاريخ منذ انتقال عاصمة الخلافة الى الشام والعراق. حتى إنه عند وصول الظاهر بيبرس، وهو أحد قادة المماليك، استقبله حاكم المدينة الشريف فليتة. وهو ومن جاؤوا بعده يُعرفون بآل جماز الحسينيّ، ثم عُرفوا بالشداقمة.
وفي ظاهرة عمّت بادية الجزيرة العربية أن العلويين نسبة إلى الإمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، سادوا قبائل العرب على صورة الإمارة، أو أنّ الصورة هي أنّ الشريف شيخ القبيلة. والأكثرية كانت من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب في نجد والحجاز، حتى يوم كان بنو الأخيضر يحكمونها. فقبائل جهينة وعتيبة وهذيل وبالحارث ساد لديهم من ولد الحسن بن علي. أما ولد الحسين، فكان لهم سلطان المدينة.
وقد حكم بنو حسين المدينة زهاء ستة قرون، بدءاً من العام أربعمئة وثلاثة وستين هجرية (ألفٍ وواحد وسبعين ميلادية) في ما عرف بإمارة آل مهنا. وآل مهنا هم نسبة إلى مهنا الأصغر، بن حسين بن مهنا الأكبر بن داوود بن القاسم بن عبيد الله بن طاهر بن يحيى بن الحسن، بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين الأصغر، بن علي زين العابدين، بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
ولنشأة إمارة بني حسين في المدينة سيرة يمكن تتبّعها قبل تولّي مهنا الأصغر. فقد استقرتالسلطة في ذرّية زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، في عهد يزيد بن معاوية. وزين العابدين هو العقب الوحيد للحسين بن علي بإجماع العلماء. يومها كان الصراع بين بني الحسين وأبناء عمّهم أبناء جعفر بن أبي طالب. ثم غلب الحسينيون على الجعافرة، وأخرجوهم من المدينة ليسكنوا بين مكّة والمدينة، حتى أجلتهم قبيلة حرب خارج الحجاز كما ذكر في المراجع.
بعدما استقرت الإمارة في بني حسين تحت سيف آل مهنا، دبّ الصراع مرة أخرى في داخل البيت الواحد، وأصبح بين الهواشم أبناء هاشم بن القاسم بن مهنا الأصغر، وأبناء جماز بن القاسم بن مهنا الأصغر. ليُحسم الصراع على السلطة وبالسيف لمصلحة آل جماز. فانحصرتالإمارة في الجمامزة، جيلاً تلو آخر.
وكما هو معروف فإن سلطان السيف تلزمه سياسة. والسلطان من دون سياسة يكون سلطة متجردة ومع السياسة يصبح عهداً. على هذا المنهج نسج أمراء بني حسين علاقات وثيقة مع مصر والشام. في سياسة اتّبعوها باعتبار أن حكّام مصر والشام هم الفضاء الاستراتيجي للمدينة. لتتوثّق العلاقة طيلة فترة حكمهم، وتصبح جغرافيا واحدة متصلة بالتجارة والقتال والعائلة، لتصل إلى أقصى حدود الثقافة الواحدة. فلكل عائلة في مصر أقرباء في الشام أو المدينة، والعكس صحيح. نسيج اجتماعيّ متّصل، ودورة اقتصادية متكاملة.
إضافةً إلى الرؤية السياسية لآل مهنا، استمر سيف حكمهم في المدينة، لاهتمامهم بالشؤون العلمية. فلقد ازدهرت المدينة باستثناء بداية فترة حكمهم، ازدهرت بإنتاج علمي كبير. كالعالِمالفيروز آبادي، والمؤرّخ السمهودي، والقاضي ابن فرحون.
إلاّ أن الأوضاع السياسية بدأت بالتغيّر عند دخول العهد العثماني إلى الحجاز، ومبايعة شريف مكة محمد أبو نمي الثاني بن بركات السلطان سليم الأول العثماني خليفة للمسلمين، ليلقّبالشريف أبو نمي السلطان سليم بخادم الحرمين الشريفين. وللشريف أبونمي الثاني دورا محوريا في تاريخ الحجاز والعرب ككل، حيث دام حكمه شريفا لمكة لأكثر من ستين سنة مشاركة (والده بركات ثم ولديه أحمد وحسن) ومستقلا. فيتصاعد الصراع والتنافس بين حكام مكة الحسنيين، وحكّام المدينة الحسينيين مرة ثانية، بين آل قتادة، وآل جماز، حتّى أُخضعت المدينة المنوّرة لحكّام مكة. أُخضعت لسيف الشريف أبو نمي القتاديّ الجونيّ الحسنيّ الهاشميّ، نسبةإلى موسى الجون بن الحسن المثنى بن الحسن السبط، بن علي بن أبي طالب. ليغدو سيف السلطة في المدينة شرفياً، والحكم الفعليّ لأقرباء يعيّنهم شريف مكة.
إلاّ أن العلاقات الوثيقة التي نسجها آل جماز مع البادية، وتحديداً قبائل الحجاز ونجد، ساهمت في بقائهم في ظل السلطة. علاقات مصاهرة ساعدت على استمرار النفوذ السياسيّ لديهم. كالأمير ميزان بن علي النعيري الحسيني. وسيف السلطة في الظل لا يجيد المواجهة، بل المراوغة. هي الحروب بالوكالة التي دارات على مدى الحكم الحسني للمدينة المنورة.
علاقة مدّ وجزر سياسية واجتماعية نسجها آل جماز، حاول العثمانيون حسمها. ليُقصوا آل جماز وبني حسين عامةً من السلطة، ويخرجوهم بالسيف من المدينة في القرن الثاني عشر ميلادية.ومنهم من بقي في المدينة والعوالي. والأكثر منهم هاجر إلى قِنا في صعيد مصر (منهم السيد ياسين طه والسيد محمد وأحمد صقر في المدينة)، حيث أقطعهم سلطانها الأرض، وعُرفوا فيها بأشراف قنا البطاطخة والمخادمة، ومنهم كذلك في قريتي الحفنة والسوارجية. وانضمّ إليهم حسينيون من أشراف وادي فاطمة، والأقل شرّق وهاجر إلى نجد في القصيم (منهم الشيخ صالح بن عبد الله الزغيبي إمام الحرم النبوي الشريف)، ليتصل بعض من ذهب إلى نجد مع قبيلة الظفير (فخذ بني حسين) والمنتفق (منهم شيخ قبيلة المنتفق عائلة السعدون) كما ورد في المراجع.
في تلك الفترة أصبح شيخ الحرم الذي عيّنه العثمانيون أميراً للمدينة، بعد خروج بني حسين. ليدبّ الخلاف وتنتشر الصدامات بين الأهالي، بسبب تذمّرهم من سوء إدارة ممثّل الباب العالي. كما حدث لشاهين أحمد آغا، أمير المدينة، عام ألف ومئة وأربعة عشر هجرية، استعان العثماني بآل جماز، أو الشقادمة، كما باتوا يُعرفون في تلك المرحلة، لتغرق المدينة في فترة من عدم الاستقرار، إذْ لا يُكاد يعيَّن أمير حتّى يعزله شريف مكّة، وهكذا. مرحلة سادتها تقلّبات في الإدارة والحكم.
انتهت حقُبة سلطة بني حسين في المدينة إلى الأبد، ويُغمد سيف حكمهم مع دخول المدينة تحت حكم الإمام النجدي سعود بن عبد العزيز ابن سعود، ويعيّن الإمام ابن المدينة، وشيخاً من شيوخ حرب ابن مضيان أميراً عليها، هو مسعود بن بدوي بن مضيان الظاهري، من مروح من بني سالم من قبيلة حرب، الذي استمرّ عهده لأكثر من سبع سنوات، في قصره في العوالي، في قلعة ابن مضيان.
استمر عهد ابن مضيان طيلة فترة الإمارة السعودية الأولى، ليؤسر على يد الحملة العلوية المصرية، ويُنفى إلى إسطنبول ويُعدم. والحملة العلوية نسبة إلى والي مصر محمد على باشا، وكانت بتكليف من الباب العالي لاسترجاع المدينة إلى سلطة العثمانيين. لتدخل المدينة تحت سلطة جديدة قديمة، وسيف حاكم جديد.
بعدئذ دخلت المدينة العهد العثماني.
والشريف كلقب لمن هم من آل البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. تقليدياً وتاريخياً كلّ من كان هاشمياً، نسبةَ إلى هاشم بن عبد مناف جدّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يحمل لقب الشريف. سواء أكان علوياً (نسبة لعلي بن أبي طالب) أم جعفرياً (جعفر بن أبي طالب) أم عباسياً (العباس بن عبد المطلب). ثم بعد حروب وصراعات سياسية متعددة في العالم الإسلامياقتصر اللقب على العلويين فقط، أحفاد الإمام علي بن أبي طالب.
وفي العهد الفاطمي في مصر، اقتصر اللقب أكثر على العلويين من أبناء السبطين الحسن والحسين، ابنَي فاطمة الزهراء، بنت رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام. أما محمد بن علي بن أبي طالب، أخوهم الذي لُقّب بابن الحنفية، لأن أمه من قبيلة بني حنيفة بن لجيم البكرية الوائلية، فأصبحوا أبناء قبيلته هم السادة. ليطلَق لقب الشريف بعد سقوط الدولة الفاطمية،وانتقال الحكم إلى العهد العثماني على أبناء الحسن بن علي بن أبي طالب. ثم على أبناء قتادةبن إدريس، وأبناء أبو نمي الأول، ومن بعده أبو نمي الثاني (أشراف مكة في العصر الحديث). ويكون السادة هم أحفاد الحسين، من عقبه الوحيد عليّ زين العابدين.
وكذا أصبح اللقب نسباً. لتتحول هذه القاعدة الى عرف متداول بشكل عام من غير تدقيق. فإذا أُشير إلى أحد في الحجاز بالسيد، فهو حسينيّ، وإذا قيل الشريف فلان أو فلانة، فاعرف أنه حسنيّ.
في المدينة بقي من الأشراف ممّن عُرفوا بآل المسيب، وهم يلتقون مع أشراف مكة المكرمة. كلاهما من أحفاد موسى الجون بن عبد الله المحض، بن الحسن المثنى بن الحسن السبط، بن علي بن أبي طالب. ومنهم من عُرف في التاريخ المديني الحديث، وهو الشريف شحّات بن علي، قائم مقام المدينة.
أما السادة في المدينة، فأغلبهم ينتسبون إلى آل السيد باعلوي الحسيني الهاشمي. ولهم المقام الأول في حضرموت. وانتشر منهم في ماليزيا وإندونيسيا كعائلات الكاف والسقاف وجمال الليل ومشيخ (ينطقها أهل المدينة بجمل الليل). وانتشر أيضاً منهم في مكة ولهم كل المكانة فيها. منهم الحبشي والعطاس والسقاف والبيتي والمحضار والبار وباروم وباجنيد والجفري وبافقيه وغيرهم، كانت لهم امتيازات من ضمنها مشيخة السادة. فالحسينيون كانوا أشراف المدينة الأوّلين. وآلباعلوي والبطاطخة والمخادمة في قنا، وآل بدر الدين في بخارى، والكتانيون في المغرب، كل هؤلاء حسينيون.
برز منهم رجال كثيرون، لهم الزعامة إضافةً إلى المكانة. ومنهم شيخ السادة في مكّة وفي المدينة في العصر الحديث. فقد عُرف منهم السيد علوي سقّاف، جدّ السيد عمر السقاف، الوزير في العهد السعوديّ، ثمّ السيد عبد الله جمل الليل، ثم السيد بافقيه، وهكذا.
وما زلت أتذكّر كلمة جدّي الأستاذ محمد حسين زيدان في وصفه لجغرافيا المدينة.
كان يقول “إنّ مسجد الغمامة هو الفاصل بين شمالها وجنوبها. بين جماعتين كبيرتين من قبيلة المدينة حرب، شمال الغمامة سالميّ، وجنوبها مسروحيّ. وكل قبيلة غرب المدينة حربية سالمية. وفي الأكثر من ميمون. أمّا الحوازم، وهم من حرب ومن بني سالم، فإنهم من المراوحة. وبعض هذه القبائل حجالة ــــــ حملة حجّاج، وبعضها المقوم والمخرج وصاحب الخفارة وصاحب الامتياز“.
ليكمل وصفه لجغرفة المزاج السكاني لأهل المدينة واصفا أن التصق بأهل البادية الكثير من الخراب والضياع في الأمن. التصقت بهما إن شئنا السمعة السيئة. فوضع الرأي العام آنذاك كل أسباب غياب الأمن والاستقرار على عاتق قبائل غرب المدينة. في حين أن دورهم كان في سياق المسؤولية التي أُنيطت بهم من الحاكم. وبالتالي تكون التبعة على من تولّى الحكم في الحجاز من أيام ملوك الطوائف والمماليك، وفي العهد العثماني حتّى محمد علي باشا، حيث فرضوا على القبائل بما يمنحون من مسؤوليات.
كان حكّام الحجاز يمنحون الامتيازات للقبائل. ومنها تنبثق الحركة والدورة ومنظومة الأمن. ومن العجيب أن المحمل المصري يُحجز عليه حتى يدفع كامل الرسم المقرّر على المحمل لسعد بن جزاء، أمير الفقرة، وشيخ الأحامدة. في حين يمر الحجيج من المغرب العربي، ومن كل أفريقيا، وحتى من صعيد مصر، من دون حجز أو رسوم. وهذا الأمر من صنع الحاكم في مصر. وفرض الرسم للأحمدي يدفعه قائد المحمل الباشا.
وحين تغيّر الحاكم في مصر من خديوي إلى آخر، كان يعدّل من مسار المحمل، متجنّباً هذا الرسم. فيغيّر طريقة سيرهم. على سبيل المثال في العصر الحديث في القرن الماضي، يتوجّه المحمل والمدفعية التي معه إلى ميناء الوجه بدلاً من ميناء ينبع البحر مثلاً. ويدفع ثمن الخفارة إلى سليمان بن رفادة الشيخ في قبيلة بلي، الذي مُنح لقب الباشا. ليكمل المحمل طريقه فينزل من الوجه ويمرّ في ديار قبيلة بلي وجهينة عن طريق بواط، ليصل إلى مواطن حرب، لولد محمد إلى جبل رحقان، بالقرب من الفقرة، وأميرها صاحب الامتياز الأول.
ولا ينال من المحمل أحد. بالرغم من استطاعتهم إغراء ابناء العم من ولد محمد الحويفي ومن إليه، إلّا أن التدبير والتخطيط من صنع الحاكم، فالمحمل معه مدفعية وجيش يمكنّانه من المرور وبالقوة. مع ذلك، فإن حسابات إسطنبول ومصر ومكة تظل في الحفاظ على جميع الخيوط مفتوحة، وأيضاً لأن الأحامدة شوكة وعضد للحاكم. سمعت ذلك من جدي الذي نصب نفسه خط الدفاع الأول لرد كل تهمة تجاه أبناء البادية.
فالأمن الذي صُنع بأمر من الحاكم لم يمنع أي حاجّ، ولو أغمض بعض أهل الحجاز أعينهم عن الخراب، الذي كان يحدث. يفيض جدي محمد عن تاريخ مدينة أحبها وأحبته. ويسترجع سلطات حكمت طيبة. أعيد سردها وبعنوان سيوف حكمت المدينة. وقليل من التاريخ لا يضر.
(*) فصل من كتاب “في بيت محمد حسين زيدان“
